Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
14 janvier 2013 1 14 /01 /janvier /2013 00:43

منهجية تحليل سؤال إشكالي مفتوح

                    نموذج تطبيقي       الأستاذ عبد الكريم بوهو

- إلى أي حد لا يمكن لمعرفة الغير أن تكون ممكنة؟

لقد اهتمت الفلسفة، منذ نشأتها، بالوجود الإنساني المتعدد والمتداخل الأبعاد، إلا أن اهتمامها بالغير كمفهوم فلسفي وكمكون أساسي من مكونات هذا الوجود، لم يظهر –حسب العديد من المفكرين-إلا في الفلسفة الحديثة بشكل عام والمتن الفلسفي الهيجيلي (جدلية العبد والسيد) والديكارتي على وجه التحديد، خاصة وأن الأنا المفكرة تستطيع أن تبني معرفتها بالغير دونما حاجة إلى ضرورة وجوده.على هذا الأساس فإن الحديث عن الغير كذات أو كموضوع، يجعلنا نركز تفكيرنا على الفعل الذي يقوم به الإنسان ليدرك أو يعي حقيقته، والمقصود هنا أن الغير يمكن أن يصير موضوعا للمعرفة، يتجه إليه النشاط الفكري للذات العارفة، مجردا كان أو ملموسا، فكرة أو شيئا.إلا أن الاشتغال على إشكالية معرفة الغير في هذا المستوى، يجعلنا لا نتوقف عند هذا الحد مادامت هذه الإشكالية تفرض علينا وضع تقابل بين الذات المفكرة (بكسر الكاف) والغير المفكر فيه (بفتح الكاف)باعتباره موضوعا للمعرفة، خاصة حينما يكون هذا الموضوع متشيئا منفصلا عن الذات المفكرة المتمتعة بالإرادة والقصدية والحرية والفعالية، بينما يصبح الغير شيئا أمبريقيا يفتقد إلى كل هذه المقومات التي تميز الوضع البشري عن غيره.

إن مثل هذه التقابلات هي التي تدفع التفكير الفلسفي إلى أن يهتم بمفهوم الغير، محاولا تحديد مدى إمكانية أو عدم إمكانية معرفة الغير؛ والجدير بالذكر أن التفكير الفلسفي عادة ما يثير هذه الإشكالية، إما في إطار علاقة السلب أو المماثلة. ويمكن تحديد السلب باعتباره مفهوما يستعمل كمرادف للتميز، وأما المماثلة فتشير -على العكس- إلى التطابق بين الأنا والغير. إن أشباه هذه المفارقات هي التي تدفعنا بقوة إلى طرح التساؤلات التالية:إذا كان الغير هو الأنا الذي ليس أنا، المشابه أو المختلف عني، فكيف تحقق الأنا أو الذات معرفتها به؟ وإلى أي حد يمكن لهذه المعرفة أن تكون ممكنة؟ وإذا كانت كذلك، فهل تتم معرفته كموضوع مثل بقية الموضوعات والأشياء الخارجية؟ أم كأنا آخر يملك من الوعي والحرية ما تملكه الأنا، يعي العالم والآخرين ويدركهما من خلال فعل التواصل؟ أم أن معرفتنا للغير هي مجرد افتراض وتخمين؟ في نفس السياق المرتبط بعدم إمكانية معرفة الغير، ما هي أهم الصعوبات التي تجعل الغير سجنا وحصنا منيعا في وجه كل ذات تريد أن تخترق وعيه؟

قبل الإجابة عن هذه التساؤلات بالدقة التي يتطلبها السؤال الإشكالي موضوع التحليل والمناقشة، يتبين أن صياغته الاستفهامية "إلى أي حد...؟"  تسائلنا حول ما مدى استحالة معرفة الغير، بمعنى أنه يدفعنا بشكل صريح إلى الانخراط في الإشكال من خلال الوقوف عند الحدود التي تكون فيها معرفة الغير غير ممكنة، كما يشير المسكوت عنه في هذه الصياغة التساؤلية إلى كون معرفة الغير كذلك يمكن أن تكون ممكنة في حدود وبدلالات محددة ومعقولة.

يحيل منطوق السؤال الإشكالي المفتوح قيد التحليل والمناقشة، على أطروحة ضمنية مفادها أن معرفة الغير لا يمكن أن تكون ممكنة. قبل تحليل هذه الأطروحة بما يلائمها من قضايا وأفكار فلسفية، لا بأس أن نقف عند دلالة بعض المفاهيم الأساسية وعلى رأسها مفهوم الغيرl’Autrui  ، وهو اسم مفرد لجمع أغيار، ويعني الآخر من الناس، أي الأنا الآخر منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا-حجرا أو حيوانا- بل بوصفه ذاتا بشرية تملك وعيا وإرادة؛ إنه كما حددته المعاجم الفلسفية لكل من بول فولكيي Paul Foulquié    وأندريه لالاند A.Lalande  ، هو "الأنا الذي ليس أنا"، المختلف والمشابه لي، إنه بعبارة أخرى أنا آخر مثلي Alter-Ego   . كما أن الاشتغال على دلالة مفهوم الغير لا يمكن أن تتقوم إلا من خلال ترابطه البنيوي والجوهري مع المعرفة باعتبارها نتيجة للفاعلية البشرية المتواصلة، أي أن الغير يصير مجرد صورة ذهنية تتشكل انطلاقا من هذه البنية المعرفية المتميزة بالتطور والتغير والدينامية؛ وبالتالي فإن معرفة الغير سترتبط بالنشاط العقلي أو الحسي الذي تتمثل من خلاله الذات العارفة موضوعا ما، أو هي الدخول في علاقة مع موضوع تكون الذات من خلالها معارف قد تكون خاطئة كما قد تكون صحيحة، نسبية أو مطلقة، مجردة أو حسية ملموسة.

لا يمكن للأنا إلا أن تخطئ كلما حاولت معرفة الغير عبر عملية إسقاط لحالاتها الانفعالية وأحاسيسها وعواطفها، أي الحكم عليها من خلال تجارب الذات، لأن هذا الحكم سيكون لا محالة بعيدا عن الحقيقة، لذلك فإن معرفتنا للغير تظل معرفة افتراضية وتخمينية مادامت أحاسيس وميولات الأنا تظل مغايرة لأحاسيس وميولات الغير.كما أن التواصل مع الغير لا يجب أن يقف عند حدود فعل المعرفة واستخدام مناهج تعتمد على المقاربة بالمماثلة، لأنه من شأن هده المناهج أن تفضي إلى معرفة متخيلة ووهمية للغير، وافتراض شفافية الذات إزاء نفسها وتسليمها بوهم الطبيعة البشرية الكونية. إن مظاهر حالات الغير ومشاعره تكون لها دلالات متعددة ومختلفة، فالبكاء مثلا لا يفيد الحزن دائما، كما لا تفيد الابتسامة والضحك حقيقة كون الغير سعيدا؛ أكثر من هذا نجد أن العقل نفسه ليس دائما هو الطريق الذي يحكم صيرورة بناء معرفة ما حول الغير، ذلك لأن هذه الذات لا تقف – كما تؤكد على ذلك مدرسة التحليل النفسي- عند مستوى الوعي والإدراك الواضحين، لسبب بسيط يتمثل في كون هذه الأخيرة بنية نفسية لاشعورية عميقة يصعب سبر أغوارها بشكل دقيق، إنها تشكل كلا مركبا ومتغيرا عبر تغير الزمان والمكان، وبالتالي تنفلت معرفة الغير من أن تكون موضوع تحديد وضبط علميين لمكوناته الشعورية واللاشعورية أيضا.

يتبين جليا أن مثل هذا الطرح له ما يعززه من أفكار وأمثلة حجاجية مقنعة؛ فالذات الإنسانية هي بنية شعورية ولاشعورية جد معقدة ليس من السهل فهم حقيقتها الميتافيزيقية والأنطولوجية، السوسيولوجية والسيكولوجية وغيرها من أبعاد وجودها الأخرى، وما ظهور العلوم الإنسانية في نهاية القرن التاسع عشر إلا دليل على محاولة هذه العلوم فهم الذات البشرية من خلال زوايا نظر متعددة عبر الارتكاز على مناهج وطرق جد متطورة تعمل على التقليص من فعالية وعي المبحوث التي يمكن أن تخفي حقيقته الموضوعية؛ ففي علم النفس نتحدث مثلا عن التنويم المغناطيسي، وفي الأنثروبولوجيا يمكن الحديث عن المعايشة...، على اعتبار أن وعي الإنسان هو العدو الخفي الذي يواجه تحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية.

كل ما تقدم من أفكار وقضايا يشير في جوهره إلى أهمية الأطروحة التي يحيل عليها منطوق السؤال، على اعتبار أنها تركز على ضرورة إدراك الصعوبات التي تواجه إمكانيات معرفة الغير، من خلال الوقوف عند أهم الإشكالات التي تطرحها هذه المعرفة، لتفتح آفاقا أخرى ترتكز على محاولة تطوير مناهج البحث العلمي في هذا الباب؛ مع العلم أن حدود هذه الأطروحة تفتح الباب أيضا أمام رؤية أخرى لا تعدم إمكانية معرفة الغير كموضوع أو كذات أو كبنية يستهدفها حقلنا الإدراكي عبر عمليات التواصل والحوار.

من بين أهم التصورات الفلسفية التي سارت على نفس المنوال معتبرة أن معرفة الغير غير ممكنة، نجد تصور الفيلسوف الفرنسي نيكولاس مالبرانش N.Malebranche   الذي يقوم على قناعة مفادها أن معرفتنا للغير هي معرفة افتراضية لا تقوم على اليقين مادامت معرضة للخطأ، لأنها تقوم على مماثلة الأنا بالغير عبر ما كونته الذات من معرفة حول نفسها بواسطة الإحساسات، وهذا ما يجعل معرفة الغير غير يقينية، وفي هذا السياق يؤكد مالبرانش أنه " من البين أننا لا نعرف نفوس الناس الآخرين، ولا نعرف عقولهم كما هي إلا معرفة قائمة على التخمين" وهذا راجع في نظره إلى كون إحساسات ومشاعر الأنا ليست هي نفسها إحساسات ومشاعر الغير، لذلك تصبح المماثلة بين الطرفين عملية خاطئة. صحيح أنه من الممكن أن تجد الذات في تفكيرها نوعا من المماثلة مقارنة مع تفكير الغير فيما يتعلق ببعض القضايا، مادام العقل هو القاسم المشترك بيننا، يجعل النتائج المتوصل إليها واحدة، خاصة الأمور التي تدرك بالعقل لا بالإحساس والمشاعر والميول، لأن هذه الأخيرة قد تغلب الظلم مثلا عن العدل، والمال بدل الشرف، والشر عوض الخير، فالحالات الانفعالية إيجابية كانت(الفرح) أو سلبية (الغضب والحزن) تؤثر على حكم الشخص أثناء معرفته للغير؛ كل هذه المتغيرات تجعل الفرد مخطئا كلما حاول الحكم على الآخرين من خلال هذه الحالات، لأن شعور أو إحساس الغير بها يكون مخالفا للأنا.

يعتبر تصور مالبرانش بخصوص معرفة الغير امتدادا للموقف الديكارتي الذي يعتبر وجود الغير افتراضيا واحتماليا فقط، وتحقيق معرفة حوله هي أيضا معرفة تخمينية وافتراضية. فإذا كان الوعي الديكارتي يعكس حضور الذات إزاء نفسها، معنى هذا أن الذات المفكرة لا يمكن أن تجزم يقينا سوى بوجودها الخاص. لقد وجد هذا التصور العقلاني الذي يشكك في قدرة الأنا على معرفة الغير ما يؤيده في الفلسفة المعاصرة، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي غاستون برجي Gaston BERGER   (1896- 1960) يذهب من خلال مؤلفه "من القريب إلى الشبيه، حضور الغير" إلى تأكيد استحالة   -أو على الأقل  -  صعوبة معرفة الغير بسبب عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص، وفي هذا السياق يقول: " إن روحي ملك لي فعلا، غير أنني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعيي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم، حتى ولو تمنيت ذلك بكل صدق...فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي، فأنا أعيش وحيدا محاطا بسور، وأشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السري سجن منيع، وأكتشف في نفس الوقت، أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي، عالم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم. إن ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذري عن بعضنا البعض، انفصال لا يقبل الاختزال بتاتا".

يتبين من خلال تصور غاستون برجي أنه قد صنف نفسه في خانة القائلين "بوحدانية الذات Solipsisme"، لكنه قد تعرض إلى انتقادات متعددة من طرف بعض الفلاسفة المعاصرين نذكر منهم الفيلسوف والأديب الفرنسي جون بول سارتر (1905-1980) الذي ذهب في مؤلفه "الوجود والعدم" إلى تأكيد إمكانية معرفة الغير، لكن كموضوع لا كذات، وفي هذا السياق يقول: "إن الكيفية الوحيدة التي يمكن أن ينكشف لي بها الغير هي أن يتجلى لمعرفتي كموضوع". ولتوضيح هذه القولة، ينطلق سارتر من اعتبار الغير إنسانا وليس شيئا، أي كائن تنتظم حوله الأشياء الأخرى، وهذا الإنسان الآخر ينظر إلي فيحولني إلى موضوع أتحجر تحت تأثير نظرته، ومن هنا ينشأ جزعي وقلقي على نفسي، لأن الغير يشل إمكانياتي، وأنا بدوري أنظر إليه وأشله وأحوله كذلك إلى موضوع.

لكن رغم ما يطبع موقف سارتر من جدة بالمقارنة من النظرة الواحدية للذات، والتي ميزت الكوجيطو الديكارتي، وأيضا نظرة مالبرانش وغاستون برجي، لم تحل دون توجيه النقد لنظرة سارتر للغير، النظرة القائمة على المعرفة الموضوعية الخارجية والتشييئية، وفي هذا الإطار يمكن استحضار تصور الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1908-1961) الذي ذهب في كتابه "فينومينولوجيا الإدراك" إلى نقد تصور سارتر مؤكدا "أن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل منا وقبع داخل طبيعته المفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا البعض غير إنسانية"؛ فمعرفة الغير تقتضي مني التعاطف معه، أعتبره مثل ذاتي، يحس ويفكر ويتصرف تماما كما افعل أنا في ظروف مماثلة.

خلاصة ما يمكن استنتاجه من خلال تحليل ومناقشة إشكالية معرفة الغير، هو أن هناك تصورات متباينة تتراوح بين القول باستحالة معرفة الغير وتأكيد هذه المعرفة، والقائلون بإمكانية معرفة الغير، هم أيضا يختلفون في الكيفية التي يجب النظر بها إلى الغير، بين أن تكون الطريقة الوحيدة لمعرفته هي أن يتجلى لوعينا كموضوع، أو كأفق بين-ذاتي يوفر إمكانيات حقيقية للتواصل والتعاطف معه. كما أن النظر إلى الغير كموضوع قد يفضي إلى علاقة سلبية بين الأنا والغير، إنها علاقة تشييء واستلاب، أي النظر إليه كشيء بين الأشياء، وتجميد لكل إمكانيات الغير، مادام هذا الغير جحيما بالنسبة للانا، وهو الأمر الذي عبر عنه سارتر بقوله:"الجحيم هم الآخرون l’enfer c’est les autres".

على هذا الأساس فقد أضحى –حسب رأيي الشخصي- من الضروري الإيمان بإمكانية معرفة الغير، لأن الوقوف عند حدود هذه المعرفة لن يمدنا بفهم عميق للغير كحقيقة وجودية وتفاعلية، إذ لابد من التواصل معه انطلاقا من ضرورة الاعتراف به أولا، ثم النظر إليه لا كموضوع، بل كذات مغايرة مساوية لي في القيمة، تربطنا علاقة احترام متبادلة.

 

 

 

 

 

 

Published by مـــحـــب للــحــكــمــة - dans مجزوءة الوضع البشري
commenter cet article
30 mai 2011 1 30 /05 /mai /2011 01:12


Vidéo

Published by مـــحـــب للــحــكــمــة - dans مجزوءة الوضع البشري
commenter cet article
9 mars 2010 2 09 /03 /mars /2010 03:44

مجزوءة الوضع البشري

مفهوم التاريخ

 

تمهيد للمفهوم:

يتحدد الوجود الإنساني باعتباره كيانا ينبثق ويتحدد في أفق بين-ذاتي، يجعل الذات ترتبط بالآخرين في سياق تاريخي يطبع وجوده ويمنحه أبعاد وخصائص أخرى؛ بمعنى أن انتماء الإنسان إلى المجتمع والطبيعة يفرض بالضرورة حضور التاريخ كصيرورة فاعلة في هذا الوجود الإنساني الذي يوصف كامتداد لتاريخ يتجاوزه، والانتماء إلى الجماعة هو انتماء لصيرورة يكون فيها الإنسان منتجا لوجود متعين في الزمان، كما يكون منتوجا لتلك الدينامية التي تتميز بمنطقها الخاص. فالإنسان بقدر ما هو منتج وصانع للتاريخ، بقدر ما هو نتاج له عبر تفاعل جدلي بين الذاتي والموضوعي؛ بالإضافة إلى كون مسار الصيرورة التاريخية ليس كبنية تخضع لديناميتها الخاصة، بل أيضا كمسار توجهه الفاعلية والحرية والإرادة الإنسانية.

التأطير الإشكالي للمفهوم:

إذا كان التاريخ هو تلك الصيرورة التي تواكب الفاعلية البشرية وتختزن فيها ذاكرة الإنسان وماضيه، لتساعده على فهم حاضره واستشراف مستقبله، فكيف يمكن جعل أحداث التاريخ ووقائع الماضي موضوع معرفة؟ وكيف يتأتى للإنسان إدراك عمق هذه الوقائع؟ وبأي معنى تمكن مقاربة التاريخ من خلال فكرة التقدم والتطور كأساس يحرك هذا الأخير ويوجهه؟ وهل للإنسان دور في صناعة التاريخ والتأثير في مجرياته؟

تحديد مفهوم التاريخ:

يشير مفهوم التاريخ في اللغة إلى الإعلام بالوقت، فيقال مثلا: أرخ يؤرخ الكتاب، أي بين وقت كتابته؛ ويحيل في الاصطلاح إلى التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال والوقائع المرتبطة بالإنسان[1]؛ في حين تشير الدلالة الفلسفية لمفهوم التاريخ إلى سيرورة العمران الاجتماعي البشري، وكل معرفة تاريخية ليست مجرد سرد أخبار الأيام والدول، بل هي نظر عقلي في أحوال الماضين وتعليل حدوثها وسبرها بمعيار العقل والحكمة[2]؛ في حين لا تتحدد دلالة التاريخ، حسب إيريني هنري مارو، في سرد حوادث الماضي ووصفه بهدف إعادة كتابة الماضي الإنساني، إنه حسب هذا الأخير، معرفة علمية ينشئها المؤرخ عن ذلك الماضي مستندا إلى منهج علمي صارم ودقيق[3].

المحور الأول: المعرفة التاريخية

إن الماضي الذي يبحث فيه المؤرخ ليس ماضيا ميتا، ولكنه نظرا للعديد من الاعتبارات مازال حيا في الحاضر، وإن كان الفعل أو الحدث الماضي، يعتبر ميتا دون معنى عند المؤرخ ما لم يستطع أن يدرك ويفهم الأفكار التي وراء هذا الحدث، خاصة أن التاريخ مفهوم يشمل الماضي والحاضر والمستقبل معا؛ فنحن عندما نحاول تشكيل معرفة حول هذا الماضي، فإننا في نفس الوقت ندرس الحاضر والمستقبل، لأننا إذا دققنا النظر تبين لنا أنه لا شيء في الوجود يتلاشى ويضيع مع الزمن، كما لا يوجد فاصل أو سبب منطقي يجعلنا نفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. على هذا الأساس فإن استحضار هذا الماضي ليس عملية سهلة، لأن ذلك يقتضي توفر منهج خاص يعيد بناء الظاهرة التاريخية، انطلاقا من إخضاع الوثائق التاريخية لهذا المنهج الخاص، حتى تتحول الوثيقة الغفل على وثيقة دالة.

إذا كان التاريخ هو ذاكرة الإنسان التي لا يمكن إغفال دورها في الحياة الإنسانية، وكانت الوقائع والأحداث المشكلة له، بنية غير معطاة تتطلب إعادة بنائها وتشكيلها، فكيف نفهم الصيرورة التاريخية للمجتمعات البشرية؟ وبأي معنى تكون المعرفة بالتاريخ ممكنة وموضوعية؟

تحليل تصور هنري إريني مارو Henri-Irénée Marou

يتجاوز مارو التصور التقليدي الذي ساد حول مفهوم التاريخ باعتباره مجرد سرد لأحداث الماضي، أو عملا أدبيا يهدف إلى إعادة حكي هذا الماضي، كما لا يمكن للتاريخ أن يكون مجرد تمثلات خاطئة ومزيفة، تنبني على المزج بين الحكايات والتقاليد الشعبية والأسطورية، مركزا في ذلك على مفهوم المعرفة العلمية التي يقصد بها الحقيقة التي ليس من السهل بلوغها؛ فبناء التاريخ لا يتحقق -حسب هنري مارو- إلا بالمجهود الأكثر صرامة وتنظيما، حتى نتمكن من تعريف التاريخ بكونه "هو المعرفة العلمية المكونة عن الماضي".

يمكن القول إذن، إن المؤرخ الفرنسي يسير في اتجاه رفض وإنكار لما يسمى بالحقيقة التاريخية وإمكانية استعادتها كما هي، من خلال قراءة النصوص الأدبية وغير الأدبية؛ فالحقيقة التاريخية قد تلاشت مع تلاشي اللحظة التاريخية التي ولدت داخلها، ولم نعد نملك إلا سرديات وروايات ورؤى عن التاريخ والحدث التاريخي، ولا يمكن لهذه المقاربات والتمثلات للحقيقة التاريخية أن توصلنا إلى نقطة فهم  صحيحة، لأنها نفسها لم تكتب بصيغة موضوعية ومحايدة، وإنما كتبت وصيغت من خلال تداخل لحظة بناء المعرفة التاريخية بلحظة كتابتها، رغم أن اللحظتين تظلان منفصلتين من الناحية المنطقية.

اعتمد هنري مارو على مجموعة من الآليات الحجاجية للاستدلال على قوة أطروحته من خلال طرح السؤال:"ما التاريخ؟" كأداة لفتح النقاش حول هذا المفهوم بهدف تحديد دلالته؛ فيقترح الإجابة التالية: "التاريخ هو معرفة الماضي الإنساني"، إلا أنه سرعان ما يتجاوز هذا التعريف لكونه يمكن أن يشمل المعرفة العامية المتمثلة في الروايات والحكايات الشعبية والأسطورية؛ فيضطره ذلك إلى تحديد دلالة المعرفة باعتبارها فحص نقدي ومساءلة مستمرة لأحداث ووقائع الماضي، تتميز عن الحكي والسرد، ولا يمكن أن تكون عبارة عن عمل أدبي يروم كتابة الماضي فقط.

نخلص من خلال تحليل هذا التصور إلى أن معرفة التاريخ لا يمكن أن تكون صحيحة، إلا إذا كانت معرفة علمية لا مجال فيها للحكي والسرد البعيدين عن الفحص المنظم والصارم، لكن إلى أي حد يمكن القبول بهذا التصور كحل لإشكالية بناء معرفة تاريخية؟ هل فعلا يمكن إخضاع التاريخ لمنهج علمي صارم ومنظم؟

مناقشة تصور هنري مارو بتصورات أخرى

         لا يمكن إنكار جدية تصور هنري مارو حينما حاول بناء المعرفة التاريخية على منهج علمي صارم، بعيدا عن الخطابات الشعبية والأسطورية، وهو نفس الشيء تقريبا، ما يركز على إبرازه السوسيولوجي الفرنسي المعاصر ريمون أرون(1938-1905) Raymond Aron حينما يقر بعدم وجود ماض خالص في مجال المعرفة التاريخية، فكل ماض هو ماض مستحضر، ولا يمكن للمعرفة به أن تكون إلا معرفة مبنية عبر بحث وتنقيب وتحقيق. ولكن هذه المعرفة تبقى دائما معرفة بعدية وجزئية ومؤقتة. إن معنى الماضي لا يتولد إلا في إطار علاقة نقدية تباعدية تحاول ما أمكن الاقتراب منه، إلا أنها لا تدركه بصفة نهائية، لهذا تبقى معرفة نسبية.

نفس الرؤية الموضوعية للوقائع التاريخية نجدها عند الفيلسوف بول ريكورPaul Ricœur الذي تناول في أعماله حول الكتابة التاريخية، طبيعة هذه المعرفة وكيفية تكوينها، بحيث بين على أنها معرفة يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، والتفسير مع الفهم، والملاحظة مع الافتراض، والأنا مع الآخر، والماضي مع الحاضر. وبهذا المعنى لا يمكن للمعرفة التاريخية أن تكون كاملة الموضوعية، لأنها مشروطة بمنهج نسبي، محكوم بدوره برؤية المؤرخ.

استنتاج وتركيب:

إذا كانت المعرفة بالماضي هي بالضرورة معرفة نسبية ومشروطة بمنهجها، فإن القبول بهذا المعطى يجعلنا نقول باستحالة استعادة الماضي كما هو، لذلك يدفعنا التفكير الفلسفي في مفهوم التاريخ إلى عدم الاطمئنان لأي أثر أو وثيقة تاريخية، ما لم نخضعها للنقد الخارجي والداخلي؛ فالمؤرخ مثلا، لا يكفي أن يحقق الواقعة التاريخية، وينفض عنها غبار الشك والريبة، إنما يترتب عليه أن يعيد بناء التاريخ انطلاقا من الوقائع التي حققها، خاصة وأن هذه الأخيرة لا تحتل مكانها في التاريخ إلا إذا أدمجت في سياقها؛ فالحدث التاريخي إذن، هو واقعة مبنية وليست معطاة. على هذا الأساس تتحدد الرهانات المتعلقة بكتابة التاريخ، وبطريقة استحضار الماضي. فإلى أي حد ستظل المعرفة التاريخية تحديا كبيرا يواجه الفاعلية البشرية، رغم تطور العلوم والوسائل التكنولوجية التي تساعد على توثيق وتأريخ الوقائع والأحداث التي تسير في اتجاه تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للدول؟

المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم

يتميز الوجود البشري بالبعد التاريخي، باعتباره سيرورة جماعية تعكس تجليات وانعكاسات متعددة للإرادة والمصالح البشرية؛ والحديث عن التاريخ من خلال فكرة التقدم بهذا المعنى، يجعله سيرورة متعددة الأبعاد، وليس مجرد أحداث عارضة تلحق بماهية إنسانية مكونة سلفا، إذ لا مجال فيه للمطلق، بل مجاله هو مجال الفعل البشري المشروط في المكان والزمان. على هذا الأساس يمكن أن نتحدث عن التاريخ كسلسلة من الأحداث المتعاقبة، المتكررة والمترقبة أحيانا، والمفاجئة أحيانا أخرى. إن السيرورة التاريخية سواء كانت في مرحلة من مراحل تقدمها، حاضرا معاشا بتلقائية وعفوية، أو مشروعا متحققا من خلال رؤية استشرافية، واستراتيجية مستقبلية، تبقى سيرورة معقدة تطرح العديد من الإشكالات والتساؤلات المرتبطة بالمنطق الذي يحكمها.

التأطير الإشكالي: يتمحور الإشكال المؤطر لهذا المحور في المفارقة التي تقودنا إلى التساؤل عن منطق التاريخ من حيث هو تسلسل للأحداث الماضية: هل هو تقدم أم تكرار؟ هل هو تقدم محكوم بضرورة، أم أنه سير تحكمه الصدفة والعرضية؟ وهل لتراكم التجارب البشرية إمكانية رسم وجهة محددة للسيرورة التاريخية؟

تحليل تصور كارل ماركس karl MARKS

ينطلق ماركس من أطروحة مفادها أن التاريخ البشري يحكمه منطق جدلي logique dialectique، فهو يسير في خط محتوم يحدده الواقع الاقتصادي والاجتماعي للناس، وهو ما يسميه ماركس بالبنية التحتية التي تتكون من قوى الإنتاج المادي[4]، وعلاقات الإنتاج[5] التي تضم طريقة التنظيم التي يخضع لها مجتمع ما، مثل الملكية الخاصة(الفردية) لوسائل الإنتاج التي ميزت النظام الرأسمالي؛ تشكل مجموع هذه العلاقات الإنتاجية ما يسميه ماركس بـ"البنية الاقتصادية التي تقوم عليها البنيات الفوقية والسياسية التي تقابلها أشكال اجتماعية للوعي"، أي أن الحياة المادية للأفراد، تشرط مختلف جوانب الوجود الإنساني، وذلك ما عبر عنه كارل ماركس في كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" من خلال قولته المشهورة: " ليس وعي الناس هو الذي يشرط وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". يشير كارل ماركس إلى أن تغير قوى الإنتاج يؤدي إلى الاصطدام بعلاقات الإنتاج التي لا تميل إلى مواكبة هذا التغير، مما يؤدي إلى إحداث الصراع الطبقي الذي يعتبره ماركس، المحرك الأساسي للتاريخ (الصراع محرك التاريخ).

لقد اتسم تصور ماركس للتاريخ بمقاربة مادية تعتمد على التحليل الملموس للواقع الملموس، اعتمادا على العلاقة المتضادة بين كل من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وكذا الصراع الطبقي الذي تولده هذه الأخيرة بين الطبقة البورجوازية التي تملك وسائل الإنتاج، والطبقة البروليتارية التي لا تملك إلا قوة عملها.

مناقشة تصور ماركس بتصور موريس ميرلوبونتي

إذا كان ماركس يرى أن التاريخ البشري محكوم بتقدم، هو في حقيقته تتال لأنماط إنتاج تفهم باعتبارها مراحل تقود إلى بعضها البعض عبر الصراع كمحرك أساسي للتاريخ، فإنه يمكن الاعتراض على هذا التصور، لأنه يحصر تقدم التاريخ في اتجاه مغلق ومعلوم. فمن شأن القبول بفكرة التقدم الآلي والمحكوم مسبقا بمآل حتمي، أن يقتل دور الإرادة والوعي البشري في تحقيق وإثبات وجوده. لهذا حافظ موريس ميرلوبونتي على مسافة نقدية مع الماركسية في تصورها للتاريخ، مؤكدا في كتابه "المعنى واللامعنىle sens et le non sens" على أهمية العرضية والصدفة في حركية التاريخ، فما يكون مقررا ومخططا له من قبل، لا يعني أنه سيتحقق بالضرورة، لأن النظر إلى التاريخ كنسق، لا يجب أن يكون منغلقا بصفة نهائية.

يدافع ميرلوبونتي عن أطروحته من خلال إبراز التقابل بين منطق التاريخ وعرضيته، ليبين أن هذا الأخير ليس له منطق محدد يحكمه، بقدر ما تؤثر العرضية في مساره وسيرورته، فقد يحدث أن تختل العلاقة الجدلية والسببية بين الشروط والنتائج، كما يمكن لدينامية التاريخ أن تخرج عن الأهداف المرسومة والغايات المتوقعة، إلا أنه رغم الدور الذي تلعبه العرضية في التأثير على سيرورة التاريخ، إلا أن ميرلوبونتي لا ينكر وجود منطق يتحكم في التاريخ، لكن كإمكانية ضمن إمكانيات متعددة.

استنتاج وتركيب:

إذا كان النقاش السابق قد تناول إشكال بناء المعرفة التاريخية، وما تطرحه من صعوبات منهجية، فإن التاريخ كسيرورة يطرح من جهة أخرى إشكالات متعددة تتعلق بفكرة التقدم؛ فقد نقول بخضوع سيرورة التاريخ لمنطق خاص يتجسد في التناقض القائم بين قوى الإنتاج وعلاقاته، باعتبار هذه الأخيرة أساس الصراع الطبقي الذي يحرك التاريخ ويؤثر في مساره؛ إلا أن هذا التصور ينفي دور الصدفة والعرضية، خاصة وأن سيرورة التاريخ غالبا ما تكون مفتوحة على عالم من الممكنات؛ فتاريخ الإنسان هو أيضا ما يفاجئ ويذهل ويفزع ويحطم كل التوقعات، وإلا ما كانت بعض المفاهيم أن تتميز عن بعضها البعض، كالطفرة، التغير، القفزة النوعية، الثورة...إلخ. إن قراءة التاريخ على ضوء مفهوم التقدم، يضعنا في مواجهة سؤال علاقة الإنسان بتاريخه، فكيف تتجسد هذه العلاقة؟ وإلى أي حد يمكن أن نعترف للإنسان بالفاعلية في صنع التاريخ والتحكم في سيرورته؟

المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ

        يمكن اعتبار التساؤل عن دور الإنسان في التاريخ استمرارا للتساؤل عن منطق التاريخ بصيغة أخرى، فالتاريخ هو أحداث ووقائع تقف وراءها اختيارات وقرارت إنسانية، كما أن هذه الاختيارات يمكن أيضا أن تكون نتاجا لسيرورة تاريخية محتومة تخضع الإنسان لمنطقها وحتمياتها. إننا حينما نريد تحديد دور الإنسان في التاريخ نجد أنفسنا أمام إشكالية معقدة تعكس مدى تعقد الوضع البشري المتعدد الأبعاد، وكل إجابة عن هذه الإشكالية، ستكون مختلفة باختلاف حقيقة التاريخ ومنطق تقدمه؛ فقد يكون الإنسان مجرد وسيلة في يد الضرورة التاريخية من جهة، وقد يكون فاعلا وصانعا لها من جهة أخرى.

التأطير الإشكالي: هل للإنسان دور فاعل في صنع التاريخ والتحكم في سيرورته وإنتاج أحداثه؟ أم أن منطق التاريخ وقوانينه يوجدان خارج إرادة الإنسان؟

تحليل تصور فريدريك هيجل

يرى فريدريك هيجل في كتابه " العقل في التاريخ la raison dans l’histoire"  أن التاريخ يهدف إلى تحقيق فكرة مطلقة يدركها العظماء فقط، ويقدمون أنفسهم قربانا لها، معتبرين تلك الفكرة هي فكرة تسري في المجتمع وتشكل الروح التي يسعى إلى تحقيقها، وينحصر دور الإنسان في التاريخ من خلال ما ينجزه العظماء، الذين يجعل منهم هيجل مجرد وسائل تحقق غايات العصر والروح المطلق، وهو ما يعبر عنه في قولته: " إن عظماء التاريخ هم الذين يدركون ما هو كوني، ويجعلونه غايتهم التي يحققونها طبقا للمفهوم الأرقى للروح. لهذا علينا أن نسميهم الأبطال؛ فهم لم يبحثوا عن غاياتهم ولا عن مواهبهم في النظام القائم والهادئ، بل أتوا بها من مصدر آخر: من الروح الذي لا يزال خفيا ولم يحقق بعد وجوده الفعلي"، وتجمع الناس حول هؤلاء العظماء ومساندتهم لهم في مشروعهم، ما هو في واقع الأمر إلا إدراك من هؤلاء، أن هذه الشخصيات التاريخية تمثل الاتجاه العميق للتاريخ، الذي هو تاريخ الروح المطلق، وليس تاريخهم الخاص، وعندما يحققون غايات هذا الأخير، تنتهي مهمتهم ويسقطون -في نظر هيجل- كقشور فاكهة أفرغت من نواتها؛ ويقدم هيجل مثالا لهؤلاء الأبطال الذين كانوا مجرد وسائل في يد الروح لتحقيق أهدافها، كالإسكندر الأكبر الذي مات شابا، والقيصر الذي قتل، ونابليون بونابرت الذي نفي؛ كلها أحداث تعبر عن مكر التاريخ؛ من هنا يمكن أن نفهم قولة هيجل المشهورة: "كل ما هو واقعي فهو عقلي، وكل ما هو عقلي فهو واقعي"، أي أن كل ما وقع في التاريخ من أحداث، كان لابد أن يقع.

 مناقشة تصور هيجل بتصورات أخرى:

بالرغم من أهمية التصور الهيجيلي للعقل كقوة لا متناهية متطورة ومنفتحة على نقائضها، فقد ظل العقل لديه يتميز بطابع روحي، بعيدا عن مختلف التصورات المتعارف عليها في ميدان العلم، فهيجل في وصفه للعقل، لا نجد أنه يقدمه كقدرة فردية ذاتية، وإنما كعقل إلهي أو كفكرة مطلقة، بل أكثر من ذلك نجد أن هيجل قد أوقف حركة العقل وتطوره. على هذا الأساس تعرض هذا التصور المثالي للتاريخ لانتقادات متعددة، على رأسها كارل ماركس الذي رأى في الجدل الهيجلي النواة الأساسية للتطور التاريخي، لكنه جدل يمشي عل رأسه، وقد وجب قلبه حتى يمشي على قدميه؛ لذا اقترح ماركس تصورا ماديا للتاريخ البشري الذي يقوم على صراع طبقي يكون فيه دور الفرد محكوما بشروط اقتصادية، وظروف خارجة عن إرادته.

صحيح أن الناس -حسب كارل ماركس- "هم الذين يصنعون تاريخهم الخاص، إلا أنهم لا يفعلون ذلك عشوائيا، وضمن شروط من اختيارهم، بل وفق شروط معطاة وموروثة"، معنى هذا القول أن ماركس رغم محاولته تخليص التاريخ البشري من قضاء وقدر العقل أو الروح المطلق، إلا أنه أسقط هذا التاريخ في يد القدر المادي الذي يتجه بالإنسان نحو مجتمع بلا طبقات.

إن هذا التصور الماركسي المادي للتاريخ البشري، جعل السؤال حول دور الإنسان في صناعة التاريخ، يطرح من جديد، ويفتح آفاقا فكرية جديدة تزيد الإشكال تعقيدا؛ فبربط ماركس البنية الفوقية (البنية الفكرية المتعلقة بالوعي) بالبنية التحتية (البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)، يعتبر الإنسان كائنا تاريخيا، إنه لا يشكل بذلك غير نتاج للبنية التحتية المتحكمة في وضعه ووعيه، مما يجعل من تلك البنية صانعا لتاريخه، من خلال قدرته على تجاوز الواقع المعطى والقفز بذاته في اتجاه المستقبل، حيث توجد خيارات متعددة تسمح بحرية الاختيار. إن هذه القدرة على موضعة الذات في المستقبل، هي بمعنى من المعاني ضرب للتاريخ في اتجاه الإعلاء من الذات والإقرار بحرية الفرد والمجتمع في اختيار مصيرهما ومستقبلهما.

استنتاج وتركيب:

يتضح مما سبق أننا أمام وضع إشكالي حقيقي يتموضع بين كون التاريخ نوعا من التحرر الهادف -على غرار ما يقوم به المحلل النفساني- إلى تخليص الذات الفردية من آثام ماضيها حتى تتحرر منها، وتحقق الانعتاق والحرية، إلى وضع يكون فيه التاريخ بمثابة فكرة مطلقة لا يسعى إلى تحقيقها غير العظماء الذين أدركوا روح التاريخ والمجتمع وما يصبوان إلى تحقيقه، وأخيرا إلى وضع يصبح فيه التاريخ بمثابة نتيجة حتمية لأوضاع وظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية، تحدد مساره، وترسم معالمه بشكل حتمي، الأمر الذي يجعل من علاقة الإنسان بالتاريخ، علاقة إشكالية بامتياز.

 

 

 

 

 

  [1] - شمس الدين السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، مطبعة الترقي، دمشق، 1949، ص.6-7.

[2] - عبد الرحمان بن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، بيت الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، 2005، الجزء الأول، ص.9.

[3] -  Henri-Irénée Marou, De la connaissance historique, édition Seuil, pp.32-33(ترجمة فريق تأليف الكتاب المدرسي" منار").

[4] - قوى الإنتاج المادي: هي مختلف الوسائل والأدوات التي يستخدمها الإنسان في الإنتاج بما في ذلك القوى العاملة.

[5] - علاقات الإنتاج: هي مختلف العلاقات التي تربط بين الناس أثناء عملية الإنتاج المادي.

Published by aguelmous.over-blog.com - dans مجزوءة الوضع البشري
commenter cet article
9 mars 2010 2 09 /03 /mars /2010 03:40

مجزوءة الوضع البشري

مـفـهـوم الــغـيــر

 

المحور الثاني: معرفة الغير

     يحيلنا الحديث عن مفهوم المعرفة على الفعل الذي يقوم به الإنسان عبر الفكر أو العقل ليدرك بواسطته موضوعا معينا، ويقصد بالموضوع هنا كل ما يتجه إليه النشاط الفكري للذات العارفة، مجردا كان أو ملموسا، فكرة أو شيئا. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد ما دام هذا التعريف يجعلنا نضع تقابلا بين الذات وموضوع المعرفة، خاصة حينما يكون هذا الموضوع شيئا خارجيا ماديا ملموسا منفصلا عن الذات المفكرة المتمتعة بالإرادة والقصدية والحرية والفعالية، بينما يصبح الموضوع شيئا ماديا فاقدا لكل هذه الصفات والخصائص التي تميز الوجود الإنساني عن غيره.

التأطير الإشكالي للمحور

إذا كان الغير هو الأنا الذي ليس أنا، المشابه والمختلف عني، فكيف تحقق الأنا أو الذات معرفتها به؟ هل تتم معرفته كموضوع مثل بقية الموضوعات والأشياء الخارجية، أم كأنا آخر يملك من الوعي والحرية ما تملكه الأنا، يعي العالم والآخرين ويدركهما، أم أن معرفتنا للغير هي مجرد افتراض وتخمين؟

تحليل تصور نيكولاس مالبرانش Nicolas MALEBRANCHE

يحيلنا مضمون النص على تصور فلسفي حول إشكالية معرفة الغير، يقوم هذا التصور على قناعة مفادها أن معرفتنا بالغير هي معرفة افتراضية لا تقوم على اليقين، مادامت معرضة للخطأ، لأنها تقوم على مماثلة الأنا بالغير عبر ما كونته الذات من معرفة حول نفسها بواسطة الإحساسات، وهذا ما يجعل معرفة الغير غير يقينية، وفي هذا السياق يؤكد مالبرانش أنه " من البين أننا لا نعرف نفوس الناس الآخرين، ولا نعرف عقولهم كما هي إلا معرفة قائمة على التخمين" وهذا راجع في نظره إلى كون إحساسات ومشاعر الأنا ليست هي نفسها إحساسات ومشاعر الغير، لذلك تصبح المماثلة بين الطرفين عملية خاطئة. صحيح أنه من الممكن أن تجد الذات في تفكيرها نوعا من المماثلة مقارنة مع تفكير الغير فيما يتعلق ببعض القضايا، مادام العقل هو القاسم المشترك بيننا، يجعل النتائج المتوصل إليها واحدة، خاصة الأمور التي تدرك بالعقل لا بالإحساس والمشاعر والميول، لأن هذه الأخيرة قد تغلب الظلم مثلا عن العدل، والمال بدل الشرف، والشر عوض الخير، فالحالات الانفعالية إيجابية كانت(الفرح) أو سلبية (الغضب والحزن) تؤثر على حكم الشخص أثناء معرفته للغير؛ كل هذه المتغيرات تجعل الفرد مخطئا كلما حاول الحكم على الآخرين من خلال هذه الحالات، لأن شعور أو إحساس الغير بها يكون مخالفا للأنا.

مناقشة تصور مالبرانش بتصورات فلسفية أخرى

يعتبر تصور مالبرانش بخصوص معرفة الغير امتدادا للموقف الديكارتي الذي يعتبر وجود الغير افتراضيا واحتماليا فقط، وتحقيق معرفة حوله هي أيضا معرفة تخمينية وافتراضية. فإذا كان الوعي الديكارتي هو حضور الذات إزاء نفسها، معنى هذا أن الذات المفكرة لا يمكن أن تجزم يقينا سوى بوجودها الخاص. لقد وجد هذا التصور العقلاني الذي يشكك في قدرة الأنا على معرفة الغير ما يؤيده في الفلسفة المعاصرة، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي غاستون برجي Gaston BERGER (1896- 1960) يذهب من خلال مؤلفه "من القريب إلى الشبيه، حضور الغير" إلى تأكيد استحالة -أو على الأقل- صعوبة معرفة الغير بسبب عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص، وفي هذا السياق يقول: " إن روحي ملك لي فعلا، غير أنني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعيي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم، حتى ولو تمنيت ذلك بكل صدق...فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي، فأنا أعيش وحيدا محاطا بسور، وأشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السري سجن منيع، وأكتشف في نفس الوقت، أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي، عالم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم. إن ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذري عن بعضنا البعض، انفصال لا يقبل الاختزال بتاتا".

يتبين من خلال تصور غاستون برجي أنه قد صنف نفسه في خانة القائلين "الأنا-وحدية Solipsisme"، لكنه قد تعرض إلى انتقادات متعددة من طرف بعض الفلاسفة المعاصرين نذكر منهم الفيلسوف والأديب الفرنسي جون بول سارتر (1905-1980) الذي ذهب في مؤلفه "الوجود والعدم" إلى تأكيد إمكانية معرفة الغير، لكن كموضوع لا كذات، وفي هذا يقول: "إن الكيفية الوحيدة التي يمكن أن ينكشف لي بها الغير هي أن يتجلى لمعرفتي كموضوع". ولتوضيح هذه القولة، ينطلق سارتر من اعتبار الغير إنسانا وليس شيئا، أي كائن تنتظم حوله الأشياء الأخرى، وهذا الإنسان الآخر ينظر إلي فيحيلني إلى موضوع أتحجر تحت تأثير نظرته، ومن هنا ينشأ جزعي وقلقي على نفسي، لأن الغير يشل إمكانياتي، وأنا بدوري أنظر إليه وأشله وأحيله كذلك إلى موضوع.

لكن رغم ما يطبع موقف سارتر من جدة بالمقارنة من النظرة الواحدية للذات، والتي ميزت الكوجيطو الديكارتي، وأيضا نظرة مالبرانش وغاستون برجي، لم تحل دون توجيه النقد لنظرة سارتر للغير، النظرة القائمة على المعرفة الموضوعية الخارجية والتشييئية، وفي هذا الإطار يمكن استحضار تصور الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1908-1961) الذي ذهب في كتابه "فينومينولوجيا الإدراك" إلى نقد تصور سارتر مؤكدا "أن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل منا وقبع داخل طبيعته المفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا البعض غير إنسانية"؛ فمعرفة الغير تقتضي مني التعاطف معه، أعتبره مثل ذاتي، يحس ويفكر ويتصرف تماما كما افعل أنا في ظروف مماثلة؛ إذن فمعرفة الغير ممكنة في نظر ميرلوبونتي.

استنتاج وتركيب:

نستنتج من خلال تحليل إشكالية معرفة الغير أن هناك تصورات متباينة تتراوح بين القول باستحالة معرفة الغير وتأكيد هذه المعرفة، والقائلون بإمكانية معرفة الغير، هم أيضا يختلفون في الكيفية التي يجب النظر بها إلى الغير.

إن النظر إلى الغير كموضوع قد يفضي إلى علاقة سلبية بين الأنا والغير، إنها علاقة تشييء، أي النظر إليه كشيء بين الأشياء، وتجميد لكل إمكانيات الغير، مادام هذا الغير جحيم بالنسبة للانا، وهو الأمر الذي عبر عنه سارتر بقوله:"الجحيم هم الآخرون l’enfer c’est les autres" لكن هل يمكن القبول بهذا التصور؟ وإلى أي حد ينعكس على علاقتنا بالغير خاصة، وعلى الوجود البشري عامة؟

 

المحور الثالث: العلاقة مع الغير

 

لولا وجود الغير لما استطاعت الأنا تحقيق حريتها ولما أدركت طبيعة وجودها بوصفها كيان يتمتع بالمقومات الأساسية للوجود الإنساني، على هذا الأساس لا يمكن حصر علاقتها بالغير في علاقة تشييئية تُؤسس بين الذات والموضوع، إذ يحاول كل طرف السيطرة على الآخر. فالغير هو ذات إنسانية لها تجربتها الخاصة، لكنها تشبه الأنا وتختلف عنها في نفس الوقت، لذلك لا يمكن أن تنحصر علاقتهما في المستويات الأنطولوجية والمعرفية.

إن إشكالية العلاقة مع الغير يمكن أن تجد بعض حلولها في الجانب الأخلاقي القيمي الذي يؤسس لعلاقات إيجابية، وأخرى سلبية تقوم على هيمنة ذات على أخرى، أو ثقافة عل أخرى.

التأطير الإشكالي للحور:

- ما هو الأساس الذي تنبني عليه العلاقة مع الغير قريبا كان أو بعيدا؟

- ما هي أبعاد ومستويات وتجليات هذه العلاقة؟

- إلى أي حد يمكن اعتبار الصداقة شكلا تتجسد فيه المعاني الأخلاقية للفضيلة؟

المفاهيم المركزية المؤطرة للمحور:

- الصداقة: يحيلنا الحديث عن إشكالية العلاقة مع الغير على مفهوم الصداقة L’amitié، وهي اسم مشتق في اللسان العربي من كلمة الصدق، أي الحقيقة والقوة والكمال، كما تدل على الود والحب الخالصين، بعيدا عن كل نزوع نحو امتلاك المحبوب والاستحواذ عليه كملكية خاصة؛ إنها نموذج إيجابي للعلاقة المتبادلة تنبني على حالة وجودية بين الكمال المطلق والنقص المطلق؛ كما أن الصداقة كتجربة معيشة لا تقوم على الحب وحده، بل يمكن أن تتأسس على متغيرات متعددة تسم المفهوم بطابع إشكالي فلسفي.

- الفضيلة: يضعنا الحديث عن مفهوم الفضيلة من خلال إشكالية العلاقة مع الغير، داخل الفلسفة الأخلاقية خاصة وأننا ننطلق، حسب التصور الأرسطي، من اعتبار الصداقة فضيلة وقيمة أخلاقية ومدنية، تنبني على محبة الأصدقاء والخير والجمال لذاته، لذلك فهي تدوم بخلاف صداقة المنفعة والمتعة اللتين تزولان بزوال علتهما. ويصنف أرسطو الصداقة ضمن الفضائل الأخلاقية (الشهامة، العطاء الشجاعة، الصداقة) التي يكون موضوعها أفعال الحياة العملية، على عكس الفضائل العقلية التي يكون موضوعها العلم والتأمل[1].

تحليل تصور أرسطو (384-322 قبل الميلاد)

يؤكد أرسطو على أطروحة مفادها أن للصداقة أهمية في رسم علاقة إيجابية مع الغير، باعتبارها تمثل أشد الحاجات الضرورية في الحياة، وذلك ما يعلن عنه بشكل صريح في قوله "إن الصداقة هي إحدى الحاجات الأشد ضرورة للحياة"[2]؛ فالصداقة هي الماهية الحقيقية التي تربط الإنسان بالآخرين، مهما كان سن هذا الأخير ومرتبته الاجتماعية، وما يدعم هذا القول بالنسبة لأرسطو، هو تأسيس الصداقة على مفهوم "الفضيلة" ليعطي للصداقة قيمة أخلاقية عملية ضرورية في حياة الإنسان، "فبغير أصدقاء لا أحد يريد العيش حتى ولو كان ينعم بجميع الخيرات الأخرى"[3]، فالأغنياء وأصحاب السلطة العليا يحتاجون لأصدقاء لإسداء هذه الخيرات ومساعدتهم بها، إذ ماذا ستفيدهم هذه الخيرات إذا ما حرموا من ملكة إسداء الخير إلى الأصدقاء؟. إن الصداقة إذن - في نظر أرسطو- هي الملاذ الوحيد الذي يمكن الاعتصام به، في حالة البؤس والشدائد المختلفة.

نخلص من خلال هذا التحليل لموقف أرسطو من إشكالية العلاقة مع الغير، بكون الصداقة هي أسمى الفضائل التي يجب أن تقوم عيها كل علاقة بين الأنا والغير، فلا غنى للإنسان في حياته عنها إذا كان ينشد السعادة، لكن السؤال الذي يطرح بهذا الصدد هو: إلى أي حد يمكن القبول بهذا التصور كحل لإشكالية العلاقة مع الغير؟ هل فعلا أن الصداقة بدلالتها السابقة هي الطريق السليم لتواصل حقيقي مع الغير مهما كانت طبيعته، أم أن الأمر عكس ذلك؟

مناقشة تصور أرسطو بتصورات فلسفية أخرى:

لا يمكن إنكار القيمة الأخلاقية والفكرية والتاريخية لتصور أرسطو بخصوص العلاقة - ذات الأبعاد الأخلاقية- مع الغير لاعتبار واحد، يتمثل في تجاوز التصور الفكري الذي يبني علاقة الأنا بالغير على التشييء (سارتر كنموذج "الجحيم هم الآخرون l’enfer c’est les autres")، وتجاوزه في نفس الوقت لأستاذه أفلاطون الذي يعتبر الصداقة حالة وجودية بين الكمال المطلق والنقص المطلق، لأن من يتصف بالكمال لا يحتاج إلى الغير، ومن يتصف بالشر المطلق تنتفي فيه الرغبة لفعل الخير؛ لذا فالصديق هو من يحاول البحث عن الخير والكمال، ولأن الصداقة هي محبة متبادلة بين الأنا والغير؛ في حين نظر أرسطو إلى الصداقة كقيمة عملية وتجربة مشتركة بين أناس فضلاء.

لقد نبهت الدراسات المعاصرة إلى قيمة الغير سواء كان قريبا أو بعيدا، ورفضت تهميشه ونبذه، لأنه في نهاية المطاف، لا يعدو أن يكون سوى الأنا الذي يسكننا، دون أن نشعر بوجوده، وهو ما عبرت عنه الباحثة الناقدة، والأديبة البلغارية جوليا كريستيفا Julia Kristeva في كتابها "Etranger à nous-mêmes" بقولها:"ليس الغريب -الذي هو اسم مستعار للحقد وللآخر- هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها، ولا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة، إن الغريب يسكننا عل نحو غريب...ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا، نوفر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته"[4]؛ فالغير الغريب إذن، كما حددته كريستيفا، ليس ذلك القادم من الخارج أو البراني عن الجماعة، الذي يهدد تماسكها وانسجامها، ذلك أن وحدة الجماعة ليست في الواقع سوى مظهرا عاما عندما ندقق فيها، وينكشف لنا أن الجماعة تحمل في ذاتها بحكم اختلافها وتناقضاتها الداخلية، غريبا قبل أن ينفذ إليها غريب أجنبي.

استنتاج وتركيب:

للصداقة دور مهم في نسج علاقة إيجابية مع الغير، فهي بمثابة مختبر حقيقي لقدرات البشر على الوفاء والصدق، لكن يبقى هذا المفهوم غير ذي معنى إذا ما انحصر في نطاق الغير القريب، وأقصي ما عداه من الأغيار، أي ذلك الغير البعيد والغريب، مع العلم أن المواقف إزاء ما هو غريب، هو أيضا مختبر حقيقي لإمكانيات البشر على تقبل وتفهم المخالف لنا في العقيدة والثقافة بكل مكوناتها، إنه اختبار حقيقي لقبول الاختلاف، لأن ذلك المخالف لنا، ما هو في واقع الأمر، إلا القوة الخفية لهويتنا، وحين نتعرف عن هذه القوة، أي الغريب فينا، نوفر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته، لأن وجوده يساهم في تشكيل هويتنا الثقافية؛ هناك إذن تفاعل إيجابي بين الأنا والغير، تفاعل يفرض احترام كل طرف للآخر، وهو ما يحاول الأنثروبولوجي ليفي ستروس تأكيده في كاتب "الأنثروبولوجيا البنيوية" من خلال قوله: " ليس هناك مجتمع متطور في ذاته وبذاته...بل ثمة ثقافات توصلت إلى تحقيق أعلى أشكال التاريخ غنى وتنوعا...لا يمكن لها أبدا أن تحققه عندما تكون معزولة".

 

[1] - أندريه لالاند، الموسوعة الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، إشراف أحمد عويدات، منشورات عويدات، بيروت-باريس، الطبعة الثانية 2001، ص. 1543.

[2] - Aristote, Ethique à Nicomaque, trad. J. Volquin, édition flamarion, 1965, P.207.

[3] - Ibid., P. 207.

[4] - J. Kristeva, Etrangers à nous-même, 2dition Fayard, 1988, P.7.

Published by aguelmous.over-blog.com - dans مجزوءة الوضع البشري
commenter cet article

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

  • : عبد الكريم بوهو
  • عبد الكريم بوهو
  • : الدرس الفلسفي
  • Contact

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

بــــــــحـــــــــث

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد