Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
/ / /

مـجـزوءة الأخـــلاق

الـــحــريــــة

 

تقديم للمفهوم:                                                                    من إنجاز الأستاذ: عبد الكريم بوهو

 

       إذا كانت الحرية تدرك كنقيض لكل حتمية أو إكراه داخلي أو خارجي يمكن أن يرتبط بمكامن الشخصية، أو يرتبط بالإشراطات الأخلاقية والسوسيو  -ثقافية، فإن التأمل الفلسفي في مفهوم الحرية باعتبارها تعبير عن إرادة الفرد، يجعلنا نميز بين الحرية من حيث هي فكرة منطقية، والحرية كفعل عملي يمارسه الإنسان في الواقع الذي بينت مختلف الدراسات السوسيولوجية أنه واقع تتراكم فيه الحتميات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي تحد أو   -على الأقل  -   تجعل حرية الفرد مشروطة ومحدودة. وبالنظر إلى كل هذه الاعتبارات، فلا ريب أن يصير الحديث عن الإرادة والحرية الإنسانية موضوعا يطرح عدة تساؤلات.

- فهل لفظ الحرية مفهوم واضح الدلالات؟ أم أن دلالاتها جد مركبة ومتعددة الأبعاد بالنظر إلى ارتباطها بالواجب الأخلاقي؟

- من أين تستمد الحرية مشروعيتها؟ هل تستمدها من إرادتنا، أم من قواعد وقوانين خارجة عنا؟ أليست الحرية أو الحريات في حاجة إلى ما يقننها خارجيا؟ أم أنها انبثاق تلقائي لا يخضع إلا لذاته؟

 

المحور الأول: الحرية والحتمية

       من الواضح أن الشعور علامة أولى على استقلال إرادتنا، فالشعور بالحرية ملازم للشعور بالشخصية، فالإنسان يشعر بالحرية ويعتقد بها، ما دام يعي أسباب أفعاله وهو مسؤول عنها؛ إلا أن شهادة الشعور بالحرية غير كافية لإثبات وجود الحرية المطلقة، فأحيانا لا ندري هل نتصرف بحرية أم أننا نخضع لإكراهات خفية ورغبات لاشعورية.

       على هذا الأساس، فهل تتعارض الحرية مع الحتمية؟ أم أن الوعي بالحتميات التي يخضع لها الإنسان هي أساس الحرية؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن أن نتحدث عن حرية مطلقة غير مشروطة؟

تحليل تصور الفيلسوف العربي بن رشد

       لا يمكن فهم المتن الفلسفي الرشدي عامة، وما يرتبط منه بالإشكالية قيد التحليل، إلا من خلال استحضار الصراع الذي كان قائما بين المتكلمين (أشاعرة ومعتزلة)، بين من كان يأخذ بالجبرية Fatalisme   القائلة بالقضاء والقدر، ومن كان يعتقد بحرية الإرادة الإنسانية؛ في هذا السياق يمكن اعتبار أطروحة بن رشد تعبيرا عن تصور توفيقي، إذ لا يمكن القول بحرية الإنسان المطلقة، كما لا يمكن كذلك نزعها منه بشكل مطلق، فهو حر في أشياء ومجبر ومكره في أشياء أخرى.

       إن الإنسان حر من حيث إنه يمتلك الاستطاعة والقدرة على إتيان فعل ما كيفما كان نوعه، يمكنه أن يأتي فعل خير بنفس قدر الحرية التي تسمح له بأن يأتي فعل شر، وهو بهذا المعنى حر في اختيار أفعاله؛ لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن هذه الاستطاعة أو القدرة التي يتميز بها الإنسان، ترجع علتها إلى الله الذي وهبنا إياها. على هذا الأساس يمكن القول إن الإنسان خلق مجبرا ومكرها على أن يكون حرا، وحريته مشروطة بمحدودية قدراته البدنية وقوانين الطبيعة الإلهية.

       من هذا المنطلق يبدو أن بن رشد قد سعى إلى موقعة الفعل الإنساني بين الحرية والحتمية من خلال توفيقه بين الحرية في اختيار الفعل والقدرة الإلهية في إتيانه.

تحليل تصور باروخ سبينوزا (1632-1677)

       يرى سبينوزا أن كل ما يحدث في الوجود يرجع إلى علة ضرورية في ذاتها هي الله. فالإنسان بيد الذات الإلهية يخضع بالضرورة لقوانين طبيعته التي تخضع بدورها للطبيعة الإلهية المطلقة. ومن العبث   -في نظر سبينوزا  -   أن يعتقد الناس بوجود الحرية، لأن شعورنا بالحرية ليس إلا وهما ناشئا عن تخيلنا بأننا أحرار، وعن جهلنا بالأسباب الحقيقية التي تسيرنا كما تسير الرياح أمواج البحر؛ فالإنسان كالحجر المتساقط، يعتقد عن جهل أنه يسقط بحرية، وأنه هو علة حركته، في حين أن الحقيقة هي أنه ثمة قوة خارجية هي التي تدفع الصخرة إلى التدحرج.

       خلاصة القول هي أن الإنسان   -حسب سبينوزا  -   كائن متناه ومسير وفق قوانين ضرورية وثابتة كالقوانين الرياضية، تتحكم في وجوده بالنظر إلى ماهيته غير التامة تحتاج بشكل مطلق إلى قوة خارجية لتقوم بوظائفها وانفعالاتها لأنها لا تمتلك علة أفعالها.

 

استنتاج وتركيب:

       خلاصة ما يمكن استنتاجه في هذا المحور، هو أننا نستطيع أن نضع الحرية في مكانها الصحيح فننقذها من النفي المطلق والإثبات الوثوقي، إذ لا سبيل إلى تحقيق أية حرية بوجود جبرية قاسية أو ضرورة عمياء وحتمية مطلقة؛ ومع ذلك لا تتحقق أية حرية إلا إذا عرف الإنسان الضرورة الطبيعية معرفة علمية، واستطاع تجاوز الحتميات التي تعترض أفعاله. إن الحرية الحقيقية ليست مطلقة ولا عطاء كريما من الطبيعة، بل هي محدودة بكثير من العوائق والحتميات التي تميز الوجود الإنساني وتعطي لحريته معان ودلالات لا متناهية.

 

المحور الثاني: حرية الإرادة

       لا ريب أن بعض الناس يعتقدون في معيشهم اليومي أنهم أحرار فيما يريدون القيام به أو يمتنعون عنه، والبعض الآخر يرى أنه لا حرية لإرادته في رسم تجربته الوجودية إلا في حدود ضئيلة جدا، كل هذه المفارقات تدفعنا إلى التساؤل: أحقا أن إرادة الإنسان مقيدة؟ أم أنه لا حديث عن الإنسان إلا حينما يتميز بحرية الإرادة؟

تحليل تصور الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه

       يشير نيتشه في كتابه "جينيالوجيا الأخلاق" إلى العائق الذي جعل البشرية لا تتمتع بقيم الحياة بالنظر إلى طبيعة التصورات التي راكمتها التجربة الإنسانية حول مفهومي الخير والشر من خلال ما يسميه بـ:"المثل الزهدي" الذي أفرغ الوجود البشري من إنسانيته، أو كما يسميه نيتشه بذلك "الإنسان الحيوان" الذي ظل يجري ويعبد غايات وهمية؛ "عن التنوع في معنى المثل الزهدي لدى الإنسان تنجم السمة الأساسية للإرادة الإنسانية، أي فزعها من الفراغ، لابد لهذا المثل من غاية، وهو يفضل أن يريد اللاشيء على عدم إرادة أي شيء"[1].

       إننا ونحن نتحدث عن العلاقة بين الحرية والإرادة من منظور فيلسوف الحياة فريدريك نيتشه، يتأكد لنا أن الإنسان لم يكن له حتى الآن أي معنى، لم يحدد لنفسه هدفا دقيقا وحقيقيا، بل أكثر من ذلك كانت تنقصه الإرادة على أن يكون إنسانا لاعتبارات متعددة من بين أهمها أنه لا يستطيع أن يكون شجاعا وهو يستعمل حواسه وعقله بما يسمح له بتحديد معناه وإدراك إنسانيته[2].

تحليل تصور الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر

       لقد انطلقت الفلسفة الوجودية في إطار تعارضها مع الفلسفة العقلانية من فكرة جوهرية مفادها أن الوجود سابق على الماهية ولا يمكن أن يحصل العكس؛ بهذا المعنى يمكن أن نقارب إشكالية حرية الإرادة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان يعيش تجربة وجودية متميزة هي التي تحدد ماهيته الوجودية، أو بعبارة أخرى يمكن القول إن إرادة الإنسان حرة من حيث الاختيار، فالإنسان يريد أن يكون هكذا ويختار هذا دون ذاك، ولكن لا يمكن اعتبار حريته مطلقة، لأن كل ما تختاره الذات لنفسها، تكون مسؤولة فيه تجاه البشرية جمعاء. على هذا الأساس تتجاذب إرادة الذات وإرادة الإنسانية من حيث كون الذات مسؤولة عن الناس أجمعين؛ وبالتالي يمكن القول إن الإنسان يتميز بإرادة حرة لكنها مسؤولة عن كل ما يصدر عنها من أفعال؛ فالإرادة الحرة إذن، تجربة وجود مسؤولة.

استنتاج وتركيب:

       إن الحديث عن حرية الإرادة لا يمكن أن يكون له أي معنى إلا حينما يوضع هذا المفهوم في أحضان الالتزامات الأخلاقية في أبعادها المتعددة، فالحتميات والإكراهات التي تحد من حرية الإنسان، هي في الحقيقة ما يضمن للإنسان وجوده المتميز، إذ لا حرية بدون إلتزامات وإكراهات أخلاقية، تجعل الفرد وهو يستجيب لنداء الواجب الأخلاقي، يصرخ عاليا فيقول "أنا الكائن الذي من مقوماته الإرادة والحرية".

 

المحور الثالث: الحرية والقانون

إذا كان اسبينوزا قد اعتبر الحرية هي الغاية الأساسية من قيام الدولة والمجتمعات السياسية، فإنه لا يمكن تحديد مفهوم الحرية من حيث كونها ممارسة لا يمكن أن تنفصل عن مفهوم القانون كإطار ينظمها ويقننها؛ على هذا الأساس هل يمكن إذن أن نفصل بين الحرية والقانون؟ وإلى أي حد يمكن القول بأن الحرية تتعارض مع القانون؟ ثم بأي معنى تعتبر إلزامية القانون تقييدا للحرية؟

تحليل تصور الفيلسوف مونتسكيو

يحاول مونتسكيو من خلال كتابه "روح القوانين" وبالضبط فيما يرتبط بالإشكالية قيد التحليل والمناقشة، الإجابة عن السؤال: لماذا يعتبر تقييد الحرية بالقانون أمرا ضروريا في ظل نظام الدولة؟

       يحدد مونتسكيو العلاقة التي يمكن ربطها بين الحرية والقانون في الأنظمة السياسية المختلفة، مؤكدا أن الحرية لا تعني أن يفعل المرء ما يريد، بل أن يتصرف وفق ما تسمح به القوانين من أفعال داخل المجتمع؛ هذه القوانين هي وحدها التي يمكن أن تضمن حرية الإنسان من خلال الحد من سلطة ما بسلطة أخرى.

       إن الحرية في التنظيم المدني القائم على التعاقد الاجتماعي والقوانين التشريعية للدولة، هي حرية قانونية تضبطها قواعد تشريعية تعبر عن الإرادة العامة التي تلزم كل الأفراد بمعايير وضوابط تضفي على أفعالهم طابع القانونية والمشروعية؛ بذلك تكون القوانين   -بالنسبة لمونتسكيو  -   هي المحددة لطبيعة الحرية والضامنة لها في الآن نفسه.

مطلب المناقشة: استثمار نص للمفكر المغربي عبد الله العروي

       يعتبر عبد الله العروي الحرية مجالا للتحول والتغير المستمرين، حيث لا يمكن لدلالاتها أن تكون ثابتة وكونية؛ فالحرية بما هي مجموع الحقوق المعترف بها للفرد، فإنها تختلف بشكل كبير بين دولة وأخرى، كما أنها مرتبطة بمستوى تقدم المجتمع والطبقة التي ينتمي إليها كل فرد. كما يعتبر العروي الحرية مجالا للصراع الذي قد تنتج عنه زيادة أو نقصان للحقوق المادية التي تعتبر وسيلة لتحقيق الحرية.

استنتاج وتركيب:

       إذا اعتبرنا الإنسان كائنا أخلاقيا، فإن مبدأ الخلقية يشترط القول باجتماعية الكائن البشري، أي بالنظر إليه بوصفه كائنا مدنيا تحكمه قوانين موضوعية؛ كما يشترط القول بالحرية الذاتية التي تجعل منه كائنا قادرا على اختيار السلوك الذي يراه مناسبا للقيم التي يحملها أو التي يكونها، ومن ثم فإن الحرية بهذا المعنى تجعل الإنسان مسؤولا عن كل ما يصدر عنه من أفعال من حيث مطابقتها أو مخالفتها للقانون الذي يحد من حرية الفرد المطلقة حتى يوجهها إلى ما تصبو كل دولة إلى تحقيقه.

خلاصة عامة لمجزوءة الأخلاق:

       تخترق إشكاليتي الإلزام والالتزام، الضرورة والحرية، مجزوءة الأخلاق بشكل كبير جدا، بحيث تعبر صيغة الإلزام عن أداء فعل أو سلوك متطابق مع مبدأ أو قناعة توجب الطاعة عبر إكراه تمارسه دوافع داخلية نابعة من خصوصيات الإرادة الإنسانية، قد يعبر عن اختيار أخلاقي أو صراع داخل البنية النفسية؛ في حين تفيد صيغة الإلتزام، إحساس ووعي المرء بالمسؤولية تجاه كل ما يجري حول الإنسان؛ إن الإلتزام هو مبدأ أخلاقي يريد الفرد من خلاله أن يلائم بين فعله العملي وقناعاته الذاتية مهما كانت النتائج والأخطار المترتبة عنه، خاصة إذا كان ذلك الفعل استجابة لنداء الواجب الذي يتماثل إلى حد كبير مع حرية وسعادة الغير.

 

أنا الـتـوازن بين من جاءوا ومن ذهبـوا               أنا التوازن بين من سلبوا ومن سلبوا

أنا التوازن بين من صمدوا ومن هربوا               وأنــا الــتـــوازن بـــيــن مـا يـــجـب

يــجــــب الـــذهـــاب إلــى الـــيـــســار               يـــجـــب الـــتـــوغــل فـــي الــيمين

يــجــــب الــتـمـتــرس فـــي الــــوسط                يـــجـــب الـــدفـــاع عـــن الـــغــلـط

يــجــــب الـــتــشــكــيـــك بــالـــمـسـار               يـــجـــب الــــخـــروج مــن الــيـقـين

                   يـــجـــب الـــذي يـــجـــب

محمود درويش، الأعمال الشعرية الكاملة، دار الحرية للطباعة والنشر، بغداد، 2000، ص. 321.



[1]   - فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق-المغرب 2006، ص. 87.

[2]   - المرجع نفسه، ص. 141.

Partager cette page

Published by

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

  • : عبد الكريم بوهو
  • عبد الكريم بوهو
  • : الدرس الفلسفي
  • Contact

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

بــــــــحـــــــــث

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد