Mardi 9 mars 2 09 /03 /Mars 04:40

مجزوءة الوضع البشري

مـفـهـوم الــغـيــر

 

المحور الثاني: معرفة الغير

     يحيلنا الحديث عن مفهوم المعرفة على الفعل الذي يقوم به الإنسان عبر الفكر أو العقل ليدرك بواسطته موضوعا معينا، ويقصد بالموضوع هنا كل ما يتجه إليه النشاط الفكري للذات العارفة، مجردا كان أو ملموسا، فكرة أو شيئا. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، ما دام هذا التعريف يجعلنا نضع تقابلا بين الذات وموضوع المعرفة، خاصة حين يكون هذا الموضوع شيئا خارجيا ماديا ملموسا منفصلا عن الذات المفكرة المتمتعة بالإرادة والقصدية والحرية والفعالية، بينما يصبح الموضوع شيئا ماديا فاقدا لكل هذه الصفات والخصائص التي تميز الوجود الإنساني عن غيره.

التأطير الإشكالي للمحور

إذا كان الغير هو الأنا الذي ليس أنا، المشابه أو المخالف لي، فكيف تحقق الأنا أو الذات معرفتها به؟ هل تتم معرفته كموضوع مثل بقية الموضوعات والأشياء الخارجية؟ أم كأنا آخر يملك من الوعي والحرية ما تملكه الأنا، يعي العالم والآخرين ويدركهما؟ أم أن معرفتنا للغير هي مجرد افتراض وتخمين؟

تحليل تصور نيكولاس مالبرانش Nicolas MALEBRANCHE

يحيلنا مضمون النص على تصور فلسفي حول إشكالية معرفة الغير، يقوم هذا التصور على قناعة مفادها أن معرفتنا بالغير هي معرفة افتراضية لا تقوم على اليقين، مادامت معرضة للخطأ، لأنها تقوم على مماثلة الأنا بالغير عبر ما كونته الذات من معرفة حول نفسها بواسطة الإحساسات، وهذا ما يجعل معرفة الغير غير يقينية، وفي هذا السياق يؤكد مالبرانش أنه " من البين أننا لا نعرف نفوس الناس الآخرين، ولا نعرف عقولهم كما هي إلا معرفة قائمة على التخمين" وهذا راجع في نظره إلى كون إحساسات ومشاعر الأنا ليست هي نفسها إحساسات ومشاعر الغير، لذلك تصبح المماثلة بين الطرفين عملية خاطئة. صحيح أنه من الممكن أن تجد الذات في تفكيرها نوعا من المماثلة مقارنة مع تفكير الغير فيما يتعلق ببعض القضايا، مادام العقل هو القاسم المشترك بيننا، يجعل النتائج المتوصل إليها واحدة، خاصة الأمور التي تدرك بالعقل لا بالإحساس والمشاعر والميول، لأن هذه الأخيرة قد تغلب الظلم مثلا عن العدل، والمال بدل الشرف، والشر عوض الخير، فالحالات الانفعالية إيجابية كانت(الفرح) أو سلبية (الغضب والحزن) تؤثر على حكم الشخص أثناء معرفته للغير؛ كل هذه المتغيرات تجعل الفرد مخطئا كلما حاول الحكم على الآخرين من خلال هذه الحالات، لأن شعور أو إحساس الغير بها يكون مخالفا للأنا.

مناقشة تصور مالبرانش بتصورات فلسفية أخرى

يعتبر تصور مالبرانش بخصوص معرفة الغير امتدادا للموقف الديكارتي الذي يعتبر وجود الغير افتراضيا واحتماليا فقط، وتحقيق معرفة حوله هي أيضا معرفة تخمينية وافتراضية. فإذا كان الوعي الديكارتي هو حضور الذات إزاء نفسها، معنى هذا أن الذات المفكرة لا يمكن أن تجزم يقينا سوى بوجودها الخاص. لقد وجد هذا التصور العقلاني الذي يشكك في قدرة الأنا على معرفة الغير ما يؤيده في الفلسفة المعاصرة، إذ نجد الفيلسوف الفرنسي غاستون برجي Gaston BERGER (1896- 1960) يذهب من خلال مؤلفه "من القريب إلى الشبيه، حضور الغير" إلى تأكيد استحالة -أو على الأقل- صعوبة معرفة الغير بسبب عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص، وفي هذا السياق يقول: " إن روحي ملك لي فعلا، غير أنني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعيي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم، حتى ولو تمنيت ذلك بكل صدق...فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي، فأنا أعيش وحيدا محاطا بسور، وأشعر بالعزلة أكثر من شعوري بالوحدة، وعالمي السري سجن منيع، وأكتشف في نفس الوقت، أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي، عالم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم. إن ألم الغير، يكشف لي بمرارة انفصالنا الجذري عن بعضنا البعض، انفصال لا يقبل الاختزال بتاتا".

يتبين من خلال تصور غاستون برجي أنه قد صنف نفسه في خانة القائلين "بوحدانية الذات Solipsisme"، لكنه قد تعرض إلى انتقادات متعددة من طرف بعض الفلاسفة المعاصرين نذكر منهم الفيلسوف والأديب الفرنسي جون بول سارتر (1905-1980) الذي ذهب في مؤلفه "الوجود والعدم" إلى تأكيد إمكانية معرفة الغير، لكن كموضوع لا كذات، وفي هذا يقول: "إن الكيفية الوحيدة التي يمكن أن ينكشف لي بها الغير هي أن يتجلى لمعرفتي كموضوع". ولتوضيح هذه القولة، ينطلق سارتر من اعتبار الغير إنسانا وليس شيئا، أي كائن تنتظم حوله الأشياء الأخرى، وهذا الإنسان الآخر ينظر إلي فيحيلني إلى موضوع أتحجر تحت تأثير نظرته، ومن هنا ينشأ جزعي وقلقي على نفسي، لأن الغير يشل إمكانياتي، وأنا بدوري أنظر إليه وأشله وأحيله كذلك إلى موضوع.

لكن رغم ما يطبع موقف سارتر من جدة بالمقارنة من النظرة الواحدية للذات، والتي ميزت الكوجيطو الديكارتي، وأيضا نظرة مالبرانش وغاستون برجي، لم تحل دون توجيه النقد لنظرة سارتر للغير، النظرة القائمة على المعرفة الموضوعية الخارجية والتشييئية، وفي هذا الإطار يمكن استحضار تصور الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1908-1961) الذي ذهب في كتابه "فينومينولوجيا الإدراك" إلى نقد تصور سارتر مؤكدا "أن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل منا وقبع داخل طبيعته المفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا البعض غير إنسانية"؛ فمعرفة الغير تقتضي مني التعاطف معه، أعتبره مثل ذاتي، يحس ويفكر ويتصرف تماما كما افعل أنا في ظروف مماثلة؛ إذن فمعرفة الغير ممكنة في نظر ميرلوبونتي.

استنتاج وتركيب:

نستنتج من خلال تحليل إشكالية معرفة الغير أن هناك تصورات متباينة تتراوح بين القول باستحالة معرفة الغير وتأكيد هذه المعرفة، والقائلون بإمكانية معرفة الغير، هم أيضا يختلفون في الكيفية التي يجب النظر بها إلى الغير.

إن النظر إلى الغير كموضوع قد يفضي إلى علاقة سلبية بين الأنا والغير، إنها علاقة تشييء، أي النظر إليه كشيء بين الأشياء، وتجميد لكل إمكانيات الغير، مادام هذا الغير جحيم بالنسبة للانا، وهو الأمر الذي عبر عنه سارتر بقوله:"الجحيم هم الآخرون l’enfer c’est les autres" لكن هل يمكن القبول بهذا التصور؟ وإلى أي حد ينعكس على علاقتنا بالغير خاصة، وعلى الوجود البشري عامة؟


المحور الثالث: العلاقة مع الغير

لولا وجود الغير لما استطاعت الأنا تحقيق حريتها ولما أدركت طبيعة وجودها بوصفها كيان يتمتع بالمقومات الأساسية للوجود الإنساني، على هذا الأساس لا يمكن حصر علاقتها بالغير في علاقة تشييئية تُؤسس بين الذات والموضوع، إذ يحاول كل طرف السيطرة على الآخر. فالغير هو ذات إنسانية لها تجربتها الخاصة، لكنها تشبه الأنا وتختلف عنها في نفس الوقت، لذلك لا يمكن أن تنحصر علاقتهما في المستويات الأنطولوجية والمعرفية.

إن إشكالية العلاقة مع الغير يمكن أن تجد بعض حلولها في الجانب الأخلاقي القيمي الذي يؤسس لعلاقات إيجابية، وأخرى سلبية تقوم على هيمنة ذات على أخرى، أو ثقافة عل أخرى.

التأطير الإشكالي للحور:

- ما هو الأساس الذي تنبني عليه العلاقة مع الغير قريبا كان أو بعيدا؟

- ما هي أبعاد ومستويات وتجليات هذه العلاقة؟

- إلى أي حد يمكن اعتبار الصداقة شكلا تتجسد فيه المعاني الأخلاقية للفضيلة؟

المفاهيم المركزية المؤطرة للمحور:

- الصداقة: يحيلنا الحديث عن إشكالية العلاقة مع الغير على مفهوم الصداقة L’amitié، وهي اسم مشتق في اللسان العربي من كلمة الصدق، أي الحقيقة والقوة والكمال، كما تدل على الود والحب الخالصين، بعيدا عن كل نزوع نحو امتلاك المحبوب والاستحواذ عليه كملكية خاصة؛ إنها نموذج إيجابي للعلاقة المتبادلة تنبني على حالة وجودية بين الكمال المطلق والنقص المطلق؛ كما أن الصداقة كتجربة معيشة لا تقوم على الحب وحده، بل يمكن أن تتأسس على متغيرات متعددة تسم المفهوم بطابع إشكالي فلسفي.

- الفضيلة: يضعنا الحديث عن مفهوم الفضيلة من خلال إشكالية العلاقة مع الغير، داخل الفلسفة الأخلاقية خاصة وأننا ننطلق، حسب التصور الأرسطي، من اعتبار الصداقة فضيلة وقيمة أخلاقية ومدنية، تنبني على محبة الأصدقاء والخير والجمال لذاته، لذلك فهي تدوم بخلاف صداقة المنفعة والمتعة اللتين تزولان بزوال علتهما. ويصنف أرسطو الصداقة ضمن الفضائل الأخلاقية (الشهامة، العطاء الشجاعة، الصداقة) التي يكون موضوعها أفعال الحياة العملية، على عكس الفضائل العقلية التي يكون موضوعها العلم والتأمل[1].

تحليل تصور أرسطو (384-322 قبل الميلاد)

يؤكد أرسطو على أطروحة مفادها أن للصداقة أهمية في رسم علاقة إيجابية مع الغير، باعتبارها تمثل أشد الحاجات الضرورية في الحياة، وذلك ما يعلن عنه بشكل صريح في قوله "إن الصداقة هي إحدى الحاجات الأشد ضرورة للحياة"[2]؛ فالصداقة هي الماهية الحقيقية التي تربط الإنسان بالآخرين، مهما كان سن هذا الأخير ومرتبته الاجتماعية، وما يدعم هذا القول بالنسبة لأرسطو، هو تأسيس الصداقة على مفهوم "الفضيلة" ليعطي للصداقة قيمة أخلاقية عملية ضرورية في حياة الإنسان، "فبغير أصدقاء لا أحد يريد العيش حتى ولو كان ينعم بجميع الخيرات الأخرى"[3]، فالأغنياء وأصحاب السلطة العليا يحتاجون لأصدقاء لإسداء هذه الخيرات ومساعدتهم بها، إذ ماذا ستفيدهم هذه الخيرات إذا ما حرموا من ملكة إسداء الخير إلى الأصدقاء؟. إن الصداقة إذن - في نظر أرسطو- هي الملاذ الوحيد الذي يمكن الاعتصام به، في حالة البؤس والشدائد المختلفة.

نخلص من خلال هذا التحليل لموقف أرسطو من إشكالية العلاقة مع الغير، بكون الصداقة هي أسمى الفضائل التي يجب أن تقوم عيها كل علاقة بين الأنا والغير، فلا غنى للإنسان في حياته عنها إذا كان ينشد السعادة، لكن السؤال الذي يطرح بهذا الصدد هو: إلى أي حد يمكن القبول بهذا التصور كحل لإشكالية العلاقة مع الغير؟ هل فعلا أن الصداقة بدلالتها السابقة هي الطريق السليم لتواصل حقيقي مع الغير مهما كانت طبيعته، أم أن الأمر عكس ذلك؟

مناقشة تصور أرسطو بتصورات فلسفية أخرى:

لا يمكن إنكار القيمة الأخلاقية والفكرية والتاريخية لتصور أرسطو بخصوص العلاقة - ذات الأبعاد الأخلاقية- مع الغير لاعتبار واحد، يتمثل في تجاوز التصور الفكري الذي يبني علاقة الأنا بالغير على التشييء (سارتر كنموذج "الجحيم هم الآخرون l’enfer c’est les autres")، وتجاوزه في نفس الوقت لأستاذه أفلاطون الذي يعتبر الصداقة حالة وجودية بين الكمال المطلق والنقص المطلق، لأن من يتصف بالكمال لا يحتاج إلى الغير، ومن يتصف بالشر المطلق تنتفي فيه الرغبة لفعل الخير؛ لذا فالصديق هو من يحاول البحث عن الخير والكمال، ولأن الصداقة هي محبة متبادلة بين الأنا والغير؛ في حين نظر أرسطو إلى الصداقة كقيمة عملية وتجربة مشتركة بين أناس فضلاء.

لقد نبهت الدراسات المعاصرة إلى قيمة الغير سواء كان قريبا أو بعيدا، ورفضت تهميشه ونبذه، لأنه في نهاية المطاف، لا يعدو أن يكون سوى الأنا الذي يسكننا، دون أن نشعر بوجوده، وهو ما عبرت عنه الباحثة الناقدة، والأديبة البلغارية جوليا كريستيفا Julia Kristeva في كتابها "Etranger à nous-mêmes" بقولها:"ليس الغريب -الذي هو اسم مستعار للحقد وللآخر- هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها، ولا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة، إن الغريب يسكننا عل نحو غريب...ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا، نوفر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته"[4]؛ فالغير الغريب إذن، كما حددته كريستيفا، ليس ذلك القادم من الخارج أو البراني عن الجماعة، الذي يهدد تماسكها وانسجامها، ذلك أن وحدة الجماعة ليست في الواقع سوى مظهرا عاما عندما ندقق فيها، وينكشف لنا أن الجماعة تحمل في ذاتها بحكم اختلافها وتناقضاتها الداخلية، غريبا قبل أن ينفذ إليها غريب أجنبي.

استنتاج وتركيب:

للصداقة دور مهم في نسج علاقة إيجابية مع الغير، فهي بمثابة مختبر حقيقي لقدرات البشر على الوفاء والصدق، لكن يبقى هذا المفهوم غير ذي معنى إذا ما انحصر في نطاق الغير القريب، وأقصي ما عداه من الأغيار، أي ذلك الغير البعيد والغريب، مع العلم أن المواقف إزاء ما هو غريب، هو أيضا مختبر حقيقي لإمكانيات البشر على تقبل وتفهم المخالف لنا في العقيدة والثقافة بكل مكوناتها، إنه اختبار حقيقي لقبول الاختلاف، لأن ذلك المخالف لنا، ما هو في واقع الأمر، إلا القوة الخفية لهويتنا، وحين نتعرف عن هذه القوة، أي الغريب فينا، نوفر على أنفسنا أن نبغضه في ذاته، لأن وجوده يساهم في تشكيل هويتنا الثقافية؛ هناك إذن تفاعل إيجابي بين الأنا والغير، تفاعل يفرض احترام كل طرف للآخر، وهو ما يحاول الأنثروبولوجي ليفي ستروس تأكيده في كاتب "الأنثروبولوجيا البنيوية" من خلال قوله: " ليس هناك مجتمع متطور في ذاته وبذاته...بل ثمة ثقافات توصلت إلى تحقيق أعلى أشكال التاريخ غنى وتنوعا...لا يمكن لها أبدا أن تحققه عندما تكون معزولة".


[1] - أندريه لالاند، الموسوعة الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، إشراف أحمد عويدات، منشورات عويدات، بيروت-باريس، الطبعة الثانية 2001، ص. 1543.

[2] - Aristote, Ethique à Nicomaque, trad. J. Volquin, édition flamarion, 1965, P.207.

[3] - Ibid., P. 207.

[4] - J. Kristeva, Etrangers à nous-même, 2dition Fayard, 1988, P.7.

Par aguelmous.over-blog.com - Publié dans : مجزوءة الوضع البشري
Ecrire un commentaire - abdelkrim798@hotmail.com
Retour à l'accueil

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد

بــــــــحـــــــــث

أجــــــنـــــــدة

Octobre 2014
L M M J V S D
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31    
<< < > >>
 
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus