Mardi 9 mars 2 09 /03 /Mars 04:44

مجزوءة الوضع البشري

مفهوم التاريخ

 

تمهيد للمفهوم:

يتحدد الوجود الإنساني باعتباره كيانا ينبثق ويتحدد في أفق بين-ذاتي، يجعل الذات ترتبط بالآخرين في سياق تاريخي يطبع وجوده ويمنحه أبعاد وخصائص أخرى؛ بمعنى أن انتماء الإنسان إلى المجتمع والطبيعة يفرض بالضرورة حضور التاريخ كصيرورة فاعلة في هذا الوجود الإنساني الذي يوصف كامتداد لتاريخ يتجاوزه، والانتماء إلى الجماعة هو انتماء لصيرورة يكون فيها الإنسان منتجا لوجود متعين في الزمان، كما يكون منتوجا لتلك الدينامية التي تتميز بمنطقها الخاص. فالإنسان بقدر ما هو منتج وصانع للتاريخ، بقدر ما هو نتاج له عبر تفاعل جدلي بين الذاتي والموضوعي؛ بالإضافة إلى كون مسار الصيرورة التاريخية ليس كبنية تخضع لديناميتها الخاصة، بل أيضا كمسار توجهه الفاعلية والحرية والإرادة الإنسانية.

التأطير الإشكالي للمفهوم:

إذا كان التاريخ هو تلك الصيرورة التي تواكب الفاعلية البشرية وتختزن فيها ذاكرة الإنسان وماضيه، لتساعده على فهم حاضره واستشراف مستقبله، فكيف يمكن جعل أحداث التاريخ ووقائع الماضي موضوع معرفة؟ وكيف يتأتى للإنسان إدراك عمق هذه الوقائع؟ وبأي معنى تمكن مقاربة التاريخ من خلال فكرة التقدم والتطور كأساس يحرك هذا الأخير ويوجهه؟ وهل للإنسان دور في صناعة التاريخ والتأثير في مجرياته؟

تحديد مفهوم التاريخ:

يشير مفهوم التاريخ في اللغة إلى الإعلام بالوقت، فيقال مثلا: أرخ يؤرخ الكتاب، أي بين وقت كتابته؛ ويحيل في الاصطلاح إلى التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال والوقائع المرتبطة بالإنسان[1]؛ في حين تشير الدلالة الفلسفية لمفهوم التاريخ إلى سيرورة العمران الاجتماعي البشري، وكل معرفة تاريخية ليست مجرد سرد أخبار الأيام والدول، بل هي نظر عقلي في أحوال الماضين وتعليل حدوثها وسبرها بمعيار العقل والحكمة[2]؛ في حين لا تتحدد دلالة التاريخ، حسب إيريني هنري مارو، في سرد حوادث الماضي ووصفه بهدف إعادة كتابة الماضي الإنساني، إنه حسب هذا الأخير، معرفة علمية ينشئها المؤرخ عن ذلك الماضي مستندا إلى منهج علمي صارم ودقيق[3].


المحور الأول: المعرفة التاريخية

إن الماضي الذي يبحث فيه المؤرخ ليس ماضيا ميتا، ولكنه نظرا للعديد من الاعتبارات مازال حيا في الحاضر، وإن كان الفعل أو الحدث الماضي، يعتبر ميتا دون معنى عند المؤرخ ما لم يستطع أن يدرك ويفهم الأفكار التي وراء هذا الحدث، خاصة أن التاريخ مفهوم يشمل الماضي والحاضر والمستقبل معا؛ فنحن عندما نحاول تشكيل معرفة حول هذا الماضي، فإننا في نفس الوقت ندرس الحاضر والمستقبل، لأننا إذا دققنا النظر تبين لنا أنه لا شيء في الوجود يتلاشى ويضيع مع الزمن، كما لا يوجد فاصل أو سبب منطقي يجعلنا نفصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. على هذا الأساس فإن استحضار هذا الماضي ليس عملية سهلة، لأن ذلك يقتضي توفر منهج خاص يعيد بناء الظاهرة التاريخية، انطلاقا من إخضاع الوثائق التاريخية لهذا المنهج الخاص، حتى تتحول الوثيقة الغفل على وثيقة دالة.

التأطير الإشكالي للمحور:

إذا كان التاريخ هو ذاكرة الإنسان التي لا يمكن إغفال دورها في الحياة الإنسانية، وكانت الوقائع والأحداث المشكلة له، بنية غير معطاة تتطلب إعادة بنائها وتشكيلها، فكيف نفهم الصيرورة التاريخية للمجتمعات البشرية؟ وبأي معنى تكون المعرفة بالتاريخ ممكنة وموضوعية؟

تحليل تصور هنري إريني مارو Henri-Irénée Marou

يتجاوز مارو التصور التقليدي الذي ساد حول مفهوم التاريخ باعتباره مجرد سرد لأحداث الماضي، أو عملا أدبيا يهدف إلى إعادة حكي هذا الماضي، كما لا يمكن للتاريخ أن يكون مجرد تمثلات خاطئة ومزيفة، تنبني على المزج بين الحكايات والتقاليد الشعبية والأسطورية، مركزا في ذلك على مفهوم المعرفة العلمية التي يقصد بها الحقيقة التي ليس من السهل بلوغها؛ فبناء التاريخ لا يتحقق -حسب هنري مارو- إلا بالمجهود الأكثر صرامة وتنظيما، حتى نتمكن من تعريف التاريخ بكونه "هو المعرفة العلمية المكونة عن الماضي".

يمكن القول إذن، إن المؤرخ الفرنسي يسير في اتجاه رفض وإنكار لما يسمى بالحقيقة التاريخية وإمكانية استعادتها كما هي، من خلال قراءة النصوص الأدبية وغير الأدبية؛ فالحقيقة التاريخية قد تلاشت مع تلاشي اللحظة التاريخية التي ولدت داخلها، ولم نعد نملك إلا سرديات وروايات ورؤى عن التاريخ والحدث التاريخي، ولا يمكن لهذه المقاربات والتمثلات للحقيقة التاريخية أن توصلنا إلى نقطة فهم  صحيحة، لأنها نفسها لم تكتب بصيغة موضوعية ومحايدة، وإنما كتبت وصيغت من خلال تداخل لحظة بناء المعرفة التاريخية بلحظة كتابتها، رغم أن اللحظتين تظلان منفصلتين من الناحية المنطقية.

اعتمد هنري مارو على مجموعة من الآليات الحجاجية للاستدلال على قوة أطروحته من خلال طرح السؤال:"ما التاريخ؟" كأداة لفتح النقاش حول هذا المفهوم بهدف تحديد دلالته؛ فيقترح الإجابة التالية: "التاريخ هو معرفة الماضي الإنساني"، إلا أنه سرعان ما يتجاوز هذا التعريف لكونه يمكن أن يشمل المعرفة العامية المتمثلة في الروايات والحكايات الشعبية والأسطورية؛ فيضطره ذلك إلى تحديد دلالة المعرفة باعتبارها فحص نقدي ومساءلة مستمرة لأحداث ووقائع الماضي، تتميز عن الحكي والسرد، ولا يمكن أن تكون عبارة عن عمل أدبي يروم كتابة الماضي فقط.

نخلص من خلال تحليل هذا التصور إلى أن معرفة التاريخ لا يمكن أن تكون صحيحة، إلا إذا كانت معرفة علمية لا مجال فيها للحكي والسرد البعيدين عن الفحص المنظم والصارم، لكن إلى أي حد يمكن القبول بهذا التصور كحل لإشكالية بناء معرفة تاريخية؟ هل فعلا يمكن إخضاع التاريخ لمنهج علمي صارم ومنظم؟

مناقشة تصور هنري مارو بتصورات أخرى

         لا يمكن إنكار جدية تصور هنري مارو حينما حاول بناء المعرفة التاريخية على منهج علمي صارم، بعيدا عن الخطابات الشعبية والأسطورية، وهو نفس الشيء تقريبا، ما يركز على إبرازه السوسيولوجي الفرنسي المعاصر ريمون أرون(1938-1905) Raymond Aron حينما يقر بعدم وجود ماض خالص في مجال المعرفة التاريخية، فكل ماض هو ماض مستحضر، ولا يمكن للمعرفة به أن تكون إلا معرفة مبنية عبر بحث وتنقيب وتحقيق. ولكن هذه المعرفة تبقى دائما معرفة بعدية وجزئية ومؤقتة. إن معنى الماضي لا يتولد إلا في إطار علاقة نقدية تباعدية تحاول ما أمكن الاقتراب منه، إلا أنها لا تدركه بصفة نهائية، لهذا تبقى معرفة نسبية.

نفس الرؤية الموضوعية للوقائع التاريخية نجدها عند الفيلسوف بول ريكورPaul Ricœur (1913-2005) الذي تناول في أعماله حول الكتابة التاريخية، طبيعة هذه المعرفة وكيفية تكوينها، بحيث بين على أنها معرفة يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، والتفسير مع الفهم، والملاحظة مع الافتراض، والأنا مع الآخر، والماضي مع الحاضر. وبهذا المعنى لا يمكن للمعرفة التاريخية أن تكون كاملة الموضوعية، لأنها مشروطة بمنهج نسبي، محكوم بدوره برؤية المؤرخ.

استنتاج وتركيب:

إذا كانت المعرفة بالماضي هي بالضرورة معرفة نسبية ومشروطة بمنهجها، فإن القبول بهذا المعطى يجعلنا نقول باستحالة استعادة الماضي كما هو، لذلك يدفعنا التفكير الفلسفي في مفهوم التاريخ إلى عدم الاطمئنان لأي أثر أو وثيقة تاريخية، ما لم نخضعها للنقد الخارجي والداخلي؛ فالمؤرخ مثلا، لا يكفي أن يحقق الواقعة التاريخية، وينفض عنها غبار الشك والريبة، إنما يترتب عليه أن يعيد بناء التاريخ انطلاقا من الوقائع التي حققها، خاصة وأن هذه الأخيرة لا تحتل مكانها في التاريخ إلا إذا أدمجت في سياقها؛ فالحدث التاريخي إذن، هو واقعة مبنية وليست معطاة. على هذا الأساس تتحدد الرهانات المتعلقة بكتابة التاريخ، وبطريقة استحضار الماضي. فإلى أي حد ستظل المعرفة التاريخية تحديا كبيرا يواجه الفاعلية البشرية، رغم تطور العلوم والوسائل التكنولوجية التي تساعد على توثيق وتأريخ الوقائع والأحداث التي تسير في اتجاه تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للدول؟

 

المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم

يتميز الوجود البشري بالبعد التاريخي، باعتباره سيرورة جماعية تعكس تجليات وانعكاسات متعددة للإرادة والمصالح البشرية؛ والحديث عن التاريخ من خلال فكرة التقدم بهذا المعنى، يجعله سيرورة متعددة الأبعاد، وليس مجرد أحداث عارضة تلحق بماهية إنسانية مكونة سلفا، إذ لا مجال فيه للمطلق، بل مجاله هو مجال الفعل البشري المشروط في المكان والزمان. على هذا الأساس يمكن أن نتحدث عن التاريخ كسلسلة من الأحداث المتعاقبة، المتكررة والمترقبة أحيانا، والمفاجئة أحيانا أخرى. إن السيرورة التاريخية سواء كانت في مرحلة من مراحل تقدمها، حاضرا معاشا بتلقائية وعفوية، أو مشروعا متحققا من خلال رؤية استشرافية، واستراتيجية مستقبلية، تبقى سيرورة معقدة تطرح العديد من الإشكالات والتساؤلات المرتبطة بالمنطق الذي يحكمها.

التأطير الإشكالي: يتمحور الإشكال المؤطر لهذا المحور في المفارقة التي تقودنا إلى التساؤل عن منطق التاريخ من حيث هو تسلسل للأحداث الماضية: هل هو تقدم أم تكرار؟ هل هو تقدم محكوم بضرورة، أم أنه سير تحكمه الصدفة والعرضية؟ وهل لتراكم التجارب البشرية إمكانية رسم وجهة محددة للسيرورة التاريخية؟

تحليل تصور كارل ماركس karl MARKS (1818-1883 م.)

ينطلق ماركس من أطروحة مفادها أن التاريخ البشري يحكمه منطق جدلي logique dialectique، فهو يسير في خط محتوم يحدده الواقع الاقتصادي والاجتماعي للناس، وهو ما يسميه ماركس بالبنية التحتية التي تتكون من قوى الإنتاج المادي[4]، وعلاقات الإنتاج[5] التي تضم طريقة التنظيم التي يخضع لها مجتمع ما، مثل الملكية الخاصة(الفردية) لوسائل الإنتاج التي ميزت النظام الرأسمالي؛ تشكل مجموع هذه العلاقات الإنتاجية ما يسميه ماركس بـ"البنية الاقتصادية التي تقوم عليها البنيات الفوقية والسياسية التي تقابلها أشكال اجتماعية للوعي"، أي أن الحياة المادية للأفراد، تشرط مختلف جوانب الوجود الإنساني، وذلك ما عبر عنه كارل ماركس في كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" من خلال قولته المشهورة: " ليس وعي الناس هو الذي يشرط وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم".

يشير كارل ماركس إلى أن تغير قوى الإنتاج يؤدي إلى الاصطدام بعلاقات الإنتاج التي لا تميل إلى مواكبة هذا التغير، مما يؤدي إلى إحداث الصراع الطبقي الذي يعتبره ماركس، المحرك الأساسي للتاريخ (الصراع محرك التاريخ).

لقد اتسم تصور ماركس للتاريخ بمقاربة مادية تعتمد على التحليل الملموس للواقع الملموس، اعتمادا على العلاقة المتضادة بين كل من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وكذا الصراع الطبقي الذي تولده هذه الأخيرة بين الطبقة البورجوازية التي تملك وسائل الإنتاج، والطبقة البروليتارية التي لا تملك إلا قوة عملها.

مناقشة تصور ماركس بتصور موريس ميرلوبونتي

إذا كان ماركس يرى أن التاريخ البشري محكوم بتقدم، هو في حقيقته تتال لأنماط إنتاج تفهم باعتبارها مراحل تقود إلى بعضها البعض عبر الصراع كمحرك أساسي للتاريخ، فإنه يمكن الاعتراض على هذا التصور، لأنه يحصر تقدم التاريخ في اتجاه مغلق ومعلوم. فمن شأن القبول بفكرة التقدم الآلي والمحكوم مسبقا بمآل حتمي، أن يقتل دور الإرادة والوعي البشري في تحقيق وإثبات وجوده. لهذا حافظ موريس ميرلوبونتي على مسافة نقدية مع الماركسية في تصورها للتاريخ، مؤكدا في كتابه "المعنى واللامعنىle sens et le non sens" على أهمية العرضية والصدفة في حركية التاريخ، فما يكون مقررا ومخططا له من قبل، لا يعني أنه سيتحقق بالضرورة، لأن النظر إلى التاريخ كنسق، لا يجب أن يكون منغلقا بصفة نهائية.

يدافع ميرلوبونتي عن أطروحته من خلال إبراز التقابل بين منطق التاريخ وعرضيته، ليبين أن هذا الأخير ليس له منطق محدد يحكمه، بقدر ما تؤثر العرضية في مساره وسيرورته، فقد يحدث أن تختل العلاقة الجدلية والسببية بين الشروط والنتائج، كما يمكن لدينامية التاريخ أن تخرج عن الأهداف المرسومة والغايات المتوقعة، إلا أنه رغم الدور الذي تلعبه العرضية في التأثير على سيرورة التاريخ، إلا أن ميرلوبونتي لا ينكر وجود منطق يتحكم في التاريخ، لكن كإمكانية ضمن إمكانيات متعددة.

استنتاج وتركيب:

إذا كان النقاش السابق قد تناول إشكال بناء المعرفة التاريخية، وما تطرحه من صعوبات منهجية، فإن التاريخ كسيرورة يطرح من جهة أخرى إشكالات متعددة تتعلق بفكرة التقدم؛ فقد نقول بخضوع سيرورة التاريخ لمنطق خاص يتجسد في التناقض القائم بين قوى الإنتاج وعلاقاته، باعتبار هذه الأخيرة أساس الصراع الطبقي الذي يحرك التاريخ ويؤثر في مساره؛ إلا أن هذا التصور ينفي دور الصدفة والعرضية، خاصة وأن سيرورة التاريخ غالبا ما تكون مفتوحة على عالم من الممكنات؛ فتاريخ الإنسان هو أيضا ما يفاجئ ويذهل ويفزع ويحطم كل التوقعات، وإلا ما كانت بعض المفاهيم أن تتميز عن بعضها البعض، كالطفرة، التغير، القفزة النوعية، الثورة...إلخ. إن قراءة التاريخ على ضوء مفهوم التقدم، يضعنا في مواجهة سؤال علاقة الإنسان بتاريخه، فكيف تتجسد هذه العلاقة؟ وإلى أي حد يمكن أن نعترف للإنسان بالفاعلية في صنع التاريخ والتحكم في سيرورته؟

المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ

        يمكن اعتبار التساؤل عن دور الإنسان في التاريخ استمرارا للتساؤل عن منطق التاريخ بصيغة أخرى، فالتاريخ هو أحداث ووقائع تقف وراءها اختيارات وقرارت إنسانية، كما أن هذه الاختيارات يمكن أيضا أن تكون نتاجا لسيرورة تاريخية محتومة تخضع الإنسان لمنطقها وحتمياتها. إننا حينما نريد تحديد دور الإنسان في التاريخ نجد أنفسنا أمام إشكالية معقدة تعكس مدى تعقد الوضع البشري المتعدد الأبعاد، وكل إجابة عن هذه الإشكالية، ستكون مختلفة باختلاف حقيقة التاريخ ومنطق تقدمه؛ فقد يكون الإنسان مجرد وسيلة في يد الضرورة التاريخية من جهة، وقد يكون فاعلا وصانعا لها من جهة أخرى.

التأطير الإشكالي:

هل للإنسان دور فاعل في صنع التاريخ والتحكم في سيرورته وإنتاج أحداثه؟ أم أن منطق التاريخ وقوانينه يوجدان خارج إرادة الإنسان؟

تحليل تصور فريدريك هيجل

يرى فريدريك هيجل في كتابه " العقل في التاريخ la raison dans l’histoire"  أن التاريخ يهدف إلى تحقيق فكرة مطلقة يدركها العظماء فقط، ويقدمون أنفسهم قربانا لها، معتبرين تلك الفكرة هي فكرة تسري في المجتمع وتشكل الروح التي يسعى إلى تحقيقها، وينحصر دور الإنسان في التاريخ من خلال ما ينجزه العظماء، الذين يجعل منهم هيجل مجرد وسائل تحقق غايات العصر والروح المطلق، وهو ما يعبر عنه في قولته: " إن عظماء التاريخ هم الذين يدركون ما هو كوني، ويجعلونه غايتهم التي يحققونها طبقا للمفهوم الأرقى للروح. لهذا علينا أن نسميهم الأبطال؛ فهم لم يبحثوا عن غاياتهم ولا عن مواهبهم في النظام القائم والهادئ، بل أتوا بها من مصدر آخر: من الروح الذي لا يزال خفيا ولم يحقق بعد وجوده الفعلي"، وتجمع الناس حول هؤلاء العظماء ومساندتهم لهم في مشروعهم، ما هو في واقع الأمر إلا إدراك من هؤلاء، أن هذه الشخصيات التاريخية تمثل الاتجاه العميق للتاريخ، الذي هو تاريخ الروح المطلق، وليس تاريخهم الخاص، وعندما يحققون غايات هذا الأخير، تنتهي مهمتهم ويسقطون -في نظر هيجل- كقشور فاكهة أفرغت من نواتها؛ ويقدم هيجل مثالا لهؤلاء الأبطال الذين كانوا مجرد وسائل في يد الروح لتحقيق أهدافها، كالإسكندر الأكبر الذي مات شابا، والقيصر الذي قتل، ونابليون بونابرت الذي نفي؛ كلها أحداث تعبر عن مكر التاريخ؛ من هنا يمكن أن نفهم قولة هيجل المشهورة: "كل ما هو واقعي فهو عقلي، وكل ما هو عقلي فهو واقعي"، أي أن كل ما وقع في التاريخ من أحداث، كان لابد أن يقع.

خلاصة القول هي أن التاريخ البشري، هو تاريخ الروح أو العقل المطلق، ودور الإنسان يتحدد في كونه مجرد ممثل وحامل لفكرة تتجاوزه وتتعالى عليه، لأنها من مصدر آخر خارج عن سلطته.

 مناقشة تصور هيجل بتصورات أخرى:

بالرغم من أهمية التصور الهيجيلي للعقل كقوة لا متناهية متطورة ومنفتحة على نقائضها، فقد ظل العقل لديه يتميز بطابع روحي، بعيدا عن مختلف التصورات المتعارف عليها في ميدان العلم، فهيجل في وصفه للعقل، لا نجد أنه يقدمه كقدرة فردية ذاتية، وإنما كعقل إلهي أو كفكرة مطلقة، بل أكثر من ذلك نجد أن هيجل قد أوقف حركة العقل وتطوره. على هذا الأساس تعرض هذا التصور المثالي للتاريخ لانتقادات متعددة، على رأسها كارل ماركس الذي رأى في الجدل الهيجلي النواة الأساسية للتطور التاريخي، لكنه جدل يمشي عل رأسه، وقد وجب قلبه حتى يمشي على قدميه؛ لذا اقترح ماركس تصورا ماديا للتاريخ البشري الذي يقوم على صراع طبقي يكون فيه دور الفرد محكوما بشروط اقتصادية، وظروف خارجة عن إرادته.

صحيح أن الناس -حسب كارل ماركس- "هم الذين يصنعون تاريخهم الخاص، إلا أنهم لا يفعلون ذلك عشوائيا، وضمن شروط من اختيارهم، بل وفق شروط معطاة وموروثة"، معنى هذا القول أن ماركس رغم محاولته تخليص التاريخ البشري من قضاء وقدر العقل أو الروح المطلق، إلا أنه أسقط هذا التاريخ في يد القدر المادي الذي يتجه بالإنسان نحو مجتمع بلا طبقات.

إن هذا التصور الماركسي المادي للتاريخ البشري، جعل السؤال حول دور الإنسان في صناعة التاريخ، يطرح من جديد، ويفتح آفاقا فكرية جديدة تزيد الإشكال تعقيدا؛ فبربط ماركس البنية الفوقية (البنية الفكرية المتعلقة بالوعي) بالبنية التحتية (البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)، يعتبر الإنسان كائنا تاريخيا، إنه لا يشكل بذلك غير نتاج للبنية التحتية المتحكمة في وضعه ووعيه، مما يجعل من تلك البنية صانعا لتاريخه، من خلال قدرته على تجاوز الواقع المعطى والقفز بذاته في اتجاه المستقبل، حيث توجد خيارات متعددة تسمح بحرية الاختيار. إن هذه القدرة على موضعة الذات في المستقبل، هي بمعنى من المعاني ضرب للتاريخ في اتجاه الإعلاء من الذات والإقرار بحرية الفرد والمجتمع في اختيار مصيرهما ومستقبلهما.

استنتاج وتركيب:

يتضح مما سبق أننا أمام وضع إشكالي حقيقي يتموضع بين كون التاريخ نوعا من التحرر الهادف -على غرار ما يقوم به المحلل النفساني- إلى تخليص الذات الفردية من آثام ماضيها حتى تتحرر منها، وتحقق الانعتاق والحرية، إلى وضع يكون فيه التاريخ بمثابة فكرة مطلقة لا يسعى إلى تحقيقها غير العظماء الذين أدركوا روح التاريخ والمجتمع وما يصبوان إلى تحقيقه، وأخيرا إلى وضع يصبح فيه التاريخ بمثابة نتيجة حتمية لأوضاع وظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية، تحدد مساره، وترسم معالمه بشكل حتمي، الأمر الذي يجعل من علاقة الإنسان بالتاريخ، علاقة إشكالية بامتياز.

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


[1] - شمس الدين السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، مطبعة الترقي، دمشق، 1949، ص.6-7.

[2] - عبد الرحمان بن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، بيت الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، 2005، الجزء الأول، ص.9.

[3] -  Henri-Irénée Marou, De la connaissance historique, édition Seuil, pp.32-33(ترجمة فريق تأليف الكتاب المدرسي" منار").

[4] - قوى الإنتاج المادي: هي مختلف الوسائل والأدوات التي يستخدمها الإنسان في الإنتاج بما في ذلك القوى العاملة.

[5] - علاقات الإنتاج: هي مختلف العلاقات التي تربط بين الناس أثناء عملية الإنتاج المادي.

Par aguelmous.over-blog.com - Publié dans : مجزوءة الوضع البشري
Ecrire un commentaire - abdelkrim798@hotmail.com
Retour à l'accueil

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد

بــــــــحـــــــــث

أجــــــنـــــــدة

Août 2014
L M M J V S D
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
             
<< < > >>
 
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus