Mardi 9 mars 2 09 /03 /Mars 20:32

مـجـزوءة الـمـعـرفـة

الـنـظـريـة والـتـجـربـة 993057084

تـمـهـيـد عـام:

         يتقاسم الوجود البشري نشاطان متكاملان، نشاط عقلي يفضي إلى إنتاج أفكار قد تكون لها قيمة معرفية، ونشاط عملي يرتبط بالتأثير في الواقع سواء الموضوعي أو الذاتي. وتكمن أهمية النشاط العقلي في كونه ينتهي -على مستوى الغاية- بفهم الواقع وإعطائه معنى ومعقولية. فالرهان الأساسي لكل معرفة هو بلوغ الحقيقة وتحديد منطلقات كل تفكير يهدف إلى بناء معرفة صحيحة؛ هذا الرهان قد أدى إلى تنظيم حقل المعرفة وفق موضوعات ومناهج متعددة ومتنوعة، كما انتهى إلى تدقيق مفهوم الحقيقة نفسه، وربطه بالآليات الذهنية والاختبارية التي تدخل في تحديده.

        يحيلنا الحديث عن المعرفة كمفهوم، على النشاط العقلي الذي تتمثل من خلاله الذات العارفة موضوعا ما، أو هي الدخول في علاقة مع موضوع تكون الذات من خلالها معارف تنقل بواسطة خطاب معين؛ على هذا الأساس يمكن القول بوجود ثلاثة أقطاب أساسية في هذا التعريف، تتمثل في الذات العارفة وما تملكه من استعدادات وما كونته من مهارات وكفاءات، ثم موضوع المعرفة الذي قد يكون ماديا أو فكريا، وأخيرا اللغة باعتبارها الأداة التي بها سيتم التعبير عن المعارف، وبها سيتكون الخطاب وينتقل. فالمعرفة إذن بناء متواصل يحققه الوعي المستمر الناتج عن علاقات الشخص بمختلف مكونات بيئته، بناء يحتمل الصحة أو الخطأ، يختلف باختلاف النظريات والموضوعات والمناهج التي يستعملها.

تـمهيد للباب الأول: النظرية والتجربة

إن المعرفة العلمية هي تنظيم الملاحظات والاستنتاجات والتجارب عن طريق إنشاء بنية منطقية منظمة ترمي إلى تقديم تفسيرات عامة لوقائع الطبيعة وظواهرها المتعدد؛ هذه هي ما يطلق عليه اسم النظريات. فالنظرية العلمية هي بناء فرضي استنباطي، على قدر كبير من المعقولية والصلاحية والاتساق المنطقي، تختلف عن النظريات الفلسفية التأملية، في أنها ذات محتوى تجريبي؛ غير أن هذا التحديد ليس بسيطا ولا بديهيا، بل يضعنا أمام سلسلة من الإشكالات والمفارقات التي قد تتصل بطبيعة البناء النظري الرياضي وعلاقته بالواقع، وقد ترتبط بعلمية الأبنية النظرية وحدود صلاحيتها.

التأطير الإشكالي للمفهوم:
 يطرح هذا المفهوم الأول من مجزوءة المعرفة إشكالية فلسفية مهمة وصعبة، سايرت تاريخ الفلسفة، وهي علاقة النظرية بالتجربة، أو علاقة الفكر بالواقع، أو علاقة الوعي بالموضوع، أو علاقة الذات بالعالم الخارجي، أو علاقة العقلانية التأملية بالعقلانية التجريبية؛ فهل ينبغي اختزال النظرية في محتواها التجريبي كما تزعم النزعات الاختبارية والتجريبية؟ أم يتعين اعتبارها نسقا عقليا رياضيا كما ترى المذاهب العقلانية؟ وما العلاقة بين التجربة باعتبارها انطباعا حسيا بسيطا، والتجريب بوصفه إنشاء لواقعة معينة ضمن شروط علمية؟ وما هي الحدود الفاصلة بين ما هو علمي وما ليس علميا في النظرية؟ وما هي معايير صلاحيتها العلمية؟

المحور الأول: التجربة والتجريب

تبدو الخاصية المميزة للنظرية -باعتبارها نظرا عقليا- واضحة على المستوى الفلسفي، فقد حدد Lalande النظرية في معجمه الفلسفي بقوله: " النظرية هي إنشاء تأملي للفكر، يربط النتائج بالمبادئ "، وهو المعنى الذي يمكن أن نلمس حضوره أيضا في المجال العلمي،  بحيث تعرف النظرية بكونها " نسق من المبادئ والقوانين ينظم معرفتنا بمجالات خاصة، ويضمن هذا النسق بناءً منطقيا، له مكوناته ويخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم بالانتقال من عنصر إلى عنصر آخر وفق تراتب صارم ".

أما لفظ التجربة l'expérience، فهو في دلالته العامة يعني مجموع المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان في علاقته المباشرة بالواقع، كما تعني اكتساب قدرة على الإتقان، عندما يتعلق الأمر بخبرة فرد يزاول مهنة ما، أما على مستوى الدلالة العلمية، فلفظ التجربة يحيل على معنى التجريب l'expérimentation ، الذي يعنى إحداث ظاهرة معينة ضمن ظروف وشروط يصطنعها العالم، وذلك إما ابتغاء التأكد من صدق فرضية وضعها، أو إعادة الظاهرة من جديد ضمن شروط خاصة تتيح له رؤية أوضح، وتمكنه من وضع افتراض مناسب.

التأطير الإشكالي للمحور:

- ما دلالة التمايز بين التجربة والتجريب؟

- إذا كانت التجربة ترتبط بكل ما هو مباشر وتتخذ دلالة الملاحظة العامية، فكيف تتحدد دلالة التجريب؟ وكيف ساهم هذا الأخير كمنهج- في تقدم العلم؟

-هل ينبغي اختزال النظرية في محتواها التجريبي كما تزعم النزعات الاختبارية والتجريبية؟ أم يتعين اعتبارها نسقا عقليا رياضيا كما ترى المذاهب العقلانية؟

تحليل تصور ألكساندر كويري (1892-1964)

ينطلق ألكسندر كويري من أطروحة مفادها أن التجربة الخام والملاحظة العامية لم تلعب أي دور في نشأة العلم الكلاسيكي، إلا دور العائق؛ في حين أن التجريب كمساءلة منهجية للطبيعة، هو عملية منهجية  موجهة بأسئلة وفروض ونظرية تحيط بمختلف شروط  إنجاز التجربة العلمية. على هذا الأساس يتضح أنه لا يمكن -حسب كويريkoyré - تصور تجريب علمي دون الانطلاق من تأطيرات نظرية مسبقة.

يلاحظ أن كويري في سياق اهتمامه بدراسة تاريخ الفكر الفلسفي والعلمي دخل في تجربة مهمة، عمل فيها على التمييز بين العقلانية الأرسطية والعقلانية الكلاسيكية والحديثة، ثم العقلانية العلمية التجريبية؛ ويركز من خلال هذا التمييز على الدور الذي لعبه تجاوز فكرة الكوسموس(1)، بإضفاء الصفة الهندسية على المكان؛ بمعنى آخر، ينتقد كويري كلا من الميتافيزيقا والفيزياء الأرسطية التي كانت تنطلق من تقسيم العالم إلى قسمين، عالم فوق قمري، وعالم تحت قمري، في تفسيرها لمختلف القضايا الفيزيائية والميتافيزيقية من منظور تراتبي تحكمه فكرة تناهي العالم؛ ليؤكد على أهمية تميز الموقف الذهني للعلم الكلاسيكي، حينما وضع قطيعة مع العلم القديم، واستبدل مفهوم المكان المجرد للهندسة الكلاسيكية، بمفهوم المكان الملموس في الفيزياء ما قبل غاليلي.

مناقشة تصور كويري بموقف روني طوم:

لقد كان لتصور ألكسندر كويري بخصوص إشكالية دور كل من التجربة والتجريب في تقدم العلم الكلاسيكي، قيمته الفكرية والتاريخية، فقد تجاوز بهذا التصور، الموقف الفلسفي القديم (أفلاطون-أرسطو)، نظرا لتصوراته الميتافيزيقية للعقل والتجربة معا، مقترحا أساسا علميا للتجريب؛ إلا أنه بالرغم من أهمية التجريب في مجال البحث العلمي وصياغة النظريات العلمية، فإن للفرض العقلي المتخيل الحر أهميته هو أيضا في هذا المجال، وهو الأمر الذي يبدو واضحا في كتاب العالم الرياضي الفرنسي روني طوم René Thom (1923-2002م)، بعنوان: "Philosophie des sciences d'aujourd'hui"، حيث ذهب إلى القول بأن التجريب العلمي في معناه التقليدي، لا يشكل مقوما وحيدا في تفسير الظواهر، بل لابد من اعتبار عنصر الخيال وإدماجه في عملية التجريب. إن الخيال هو تجربة ذهنية تمنح للواقع التجريبي غنى؛ إن هذا القول المؤيد لدور العقل وابتكاراته المتخيلة، يمكن أن نجد له تفسيرا في الوضع العلمي الراهن، سواء على مستوى الرياضيات أو الفيزياء وغيرها من العلوم الطبيعية والإنسانية، حيث أصبح للفرض العملي دور أساسي في بناء النظرية العلمية، ويتجلى هذا الأمر في ذلك الاهتمام الذي توليه هذه العلوم للصياغة الأكسيومية Axiomatique لنظريتها، هذه الصياغة التي لم تعد تهتم بمدى مطابقة رموزها الرياضية المختارة بشكل حر مع ما يجري في الواقع الحسي التجريبي، بل أصبح المطلوب هو انسجام العَالم وعدم تناقضه مع الأوليات التي انطلق منها، إلا أن هذا لا يعني إقصاء التجربة من كل بحث علمي، بل إعطاؤها معنى جديدا يتماشى مع التطور الذي عرفه العلم على جميع مستوياته النظرية والعملية، بحيث أصبح موضوع العلم، لا يعطى في التجربة الحسية المباشرة، بل يبنى عقليا؛ فالكون الماكرو-فيزيائي Macrophysique باعتباره واقعا، هو بدرجة هائلة من الكبر والاتساع، يعجز معه العلم -بأدواته وتقنياته المتطورة- الإحاطة به في شموليته، كما أن عالم الذرة اللامتناهي في الصغرMicrophysique، قد برهن هو أيضا على صعوبة التقيد بالتجربة بمعناها التقليدي.

فإذا كانت التجربة سابقا تتم عن طريق توفير الشروط اللازمة لحدوث الظاهرة المدروسة حيث يعاد إحداثها ثانية في المختبر، فإن الأمر يخالف ذلك في مجال الميكروفيزياء، حيث تصعب إعادة إحداث الظاهرة بتوفير نفس الشروط، لأن تلك الشروط تتغير من لحظة لأخرى، فالإلكترون Electron لا يدور على النواة في مجال واحد محدد بالضبط، بل له أكثر من مدار، مما يطرح صعوبة تحديد موقعه وسرعته في نفس الوقت، فإذا اقترب العالم من تحديد قياس سرعته، تضيع منه إمكانية تحديد موقعه، وإذا اقترب من قياس موقعه تضيع منه إمكانية تحديد سرعته؛ وهنا يتدخل الاحتمال كنشاط عقلي منطقي، ليحاول تقديم تفسير مؤقت لهذه الظاهرة الفيزيائية التي استعصت عن التجربة بمعناها التقليدي، فالعلاقة هنا بين موقع وسرعة الإلكترون، لم تعد بالعلاقة الثابتة المضبوطة بقياس دقيق، بل بعلاقة الارتياب l’incertitude والنسبية القائمة على النقد والتقدم.

استنتاج وتركيب:

ما يمكن استنتاجه من خلال تحليل ومناقشة مختلف الإشكاليات المرتبطة بمسألة التجربة والتجريب، هو أن التجربة الحسية أو الخبرة الواقعية تختلف وتتميز عن التجربة العلمية أو التجريب العلمي. ففي مجال العلم تأخذ التجربة دلالة خاصة: إنها إجراءات مقصودة يبدعها العالم، بحيث يخضع موضوعه للمساءلة بهدف الوصول إلى أجوبة عن الأسئلة والفروض التي انطلق منها. إن تعامل المنهج التجريبي مع الظواهر التي يدرسها، يهدف في عمومه إلى تحقيق الدقة والموضوعية في النتائج المحصل عيها، لذلك تطرح على العالم المجرب، ضرورة نقل مجموع الوقائع الموجودة في الطبيعة بشكل صحيح ودقيق أيضا. كما أن العالم التجريبي وهو يحاول اختبار صدق فرضيتين متعارضتين، يحاول أن يثبت أي الفرضيتين صحيحة وأيهما خاطئة، لذلك يلتجئ إلى التجربة؛ لكن الإشكال الذي يطرح في هذا السياق هو أن الجواب بالنفي لا يعني اليقين في الخطأ، كما أن تأكيد التجربة للفرضية لا يعني وجود حقيقة يقينية في العلم. غير أن العالم لا يحتاج دائما إلى إجراء تجاربه في المختبر، فمعرفته المسبقة بالوقائع، وإدراكه للمبادئ النظرية التي ينطلق منها، ييسران إجراء التجربة في ذهنه دون إنجازها في الواقع. على هذا الأساس قد يستعمل العالم التجربة الذهنية الخيالية، خاصة عندما يكون من المستحيل القيام بتجارب على موضوعات تنفلت من الملاحظة العلمية المباشرة.

المحور الثاني: العقلانية العلمية

يدل مفهوم العقلانية العلمية على الخاصية العقلية للعلم ذاته، أي جملة السمات والخصائص والأركان التي تمنح الفاعلية العلمية طابعها العقلي، فتجعلها قابلة لأن تكون موضوع معرفة عقلية أيضا؛ فكما أن لكل مجال من الظواهر القابلة للتناول العقلي علما يستقل بالنظر فيها، فإن الفاعلية العلمية نفسَها صارت موضوعا للتناول العقلي، من خلال التفكير في خصائص عملية العقلنة Rationalisation التي يُجريها العلماء على موضوعات دراستهم، وهو مجال نظر الإبستمولوجيا. أما لفظ العقلانية Rationalisme، فيدل على الانتساب إلى مذهب أو نزعة، أو تيار فلسفي؛ انتساب إلى جملة تصورات حول ظواهر العالَم، باعتبارها ظواهر "معقولة"، يمكن أن تكون موضوع معرفة عقلية، في مقابل النزعات التجريبية Empirisme التي تعتقد أن المعرفة تستمد يقينها من المعطيات الحسية.

التأطير الإشكالي للمحور:

-         ما هو أساس المعرفة العلمية؟ هل هو الاختبار التجريبي، أم البناء العقلي الرياضي أم هما معا؟

-         ما دور التجربة في بناء النظرية؟

-         بأي معنى تكون العقلانية العلمية عقلانية رياضية مبدعة  سابقة على كل نزعة تجريبية؟

تحليل تصور ألبير إينشتاين Albert Einstein

لم يعد الواقع بدلالته التجريبية الكلاسيكية هو المنطلق، لأن العلم يخلق موضوعاته ويركبها، وليست موجودة بشكل جاهز في الإدراك والخبرة الحسية المباشرة، وقد أعاد هذا التحول الجذري -في منظور العلم المعاصر لمفهوم الواقع التجريبي- الاعتبار لمفهوم الفرضية العقلية، بحيث لم تعد هذه الأخيرة مجرد تفسير، ينتظر من التجربة الحسم في صحته، بل أصبح لصيقا بالنظرية، هذا ما دفع العالم الفيزيائي الأمريكي الجنسية، ألبير إينشتاين Albert Einstein (1897- 1955)، إلى مساءلة الاتجاه الاختباري بقوله: "إن كانت التجربة في بداية معرفتنا للواقع وفي نهايتها، فأي دور يتبقى للعقل في العلم؟ ويجيب عن هذا التساؤل الاستنكاري بقوله: "إن العقل يمنح النسق الفيزيائي بنيته، أما معطيات التجربة وعلاقتها المتبادلة، فيجب أن تطابق نتائج النظرية". هذه القولة توضح أن التجربة يمكن أن ترشدنا في اختيار المفاهيم الرياضية التي سنستعملها، إلا أنها لا يمكن أن تكون هي المنبع الذي تصدر عنه تلك المفاهيم، وإن بقيت حقا معيار المنفعة الوحيد بالنسبة للفيزياء على الرغم من الطابع الرياضي لبنائها، فإن المبدأ الخلاق الحقيقي يوجد في الرياضيات، وبهذا القول يكون إينشتاين قد تجاوز تلك النظرة التجريبية الضيقة للعلم كما يتم اعتمادها بالنسبة للتجريبيين والوضعيين. على هذا الأساس تصبح النظرية إبداعات حرة للعقل البشري، وهي غير مشروطة كما قد يظهر بالواقع الخارجي، إذ هناك مسافة بين النظريات العلمية والواقع؛ وهكذا عارض إينشتاين النزعة التجريبية، مساهما في بناء عقلانية معاصرة؛ فهو على عكس التجريبيين لا يدعو إلى مطابقة النظرية للواقع، بل يؤكد على مطابقة الواقع للنظرية.
 

مناقشة تصور إينشتاين بتصور أولمو Ullmo (1905-1971)

يميز أولمو بين أسس العقلانية الكلاسيكية (العقلانية المطلقة لديكارت/العقلانية النقدية لكانط) والعقلانية المعاصرة، معتبرا أن العقل - كبداهات بسيطة ومقولات قبلية- عند الكلاسيكيين، قد ظل ثابتا مطلقا ويقينيا لا ينمو ولا يتطور، على عكس العقلانية المعاصرة التي لم تنطلق من أية مبادئ مطلقة أو قبلية لمفهوم العقل، ليتخذ بذلك دلالات أكثر اتساعا وانفتاحا، أحدثت تحولا كبيرا في طبيعته، جعلت منه عقلا متطورا ديناميا نشيطا وفعالا؛ ذلك ما عبر عنه بشكل صريح في قوله: "إن العقلانية إذن هي اليقين في أن النشاط العقلي سيعرف كيف تنشأ منظومات تنطبق على ظواهر مختلفة"(2).

        على هذا الأساس فإن العقل في العقلانية المعاصرة قد أصبح مفتوحا وقابلا للنمو والتطور، بينما هو في العقلانية الكلاسيكية منغلق على مبادئه القبلية، وبداهاته الحدسية كما هو الأمر عند كل من ديكارت وكانط.

استنتاج وتركيب:

        خلاصة ما يمكن استنتاجه بخصوص مختلف الإشكالات المرتبطة بالعقلانية العلمية، أنه لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي يلعبه التجريب في بناء النظريات والقوانين والمبادئ والمناهج، كما لا يمكن كذلك إنكار مساهمة العقل في نشأة وتقدم العلوم من جهة، ودوره في تفسير مختلف ظواهر الكون وسبر أغوارها من جهة أخرى، ليحقق الإنسان طفرات وقفزات ونكبات وثورات علمية، غيرت من مسارات ومظاهر وجوده على الأرض. على هذا الأساس فإنه لكل من العقل والتجربة موقع ووظيفة لا يمكن تجاوزهما، فالأول يمنح المعرفة العلمية تناسقها وانسجامها، والثانية تسمح بتحقيق نوع من التناسب مع ما تم استنتاجه؛ كما أن العقل يبقى في علاقة جدلية مستمرة مع التجربة، وبتنظيمه لها يتخلى عن البنية الكلاسيكية القائمة على القواعد الثابتة والمقولات القبلية، فالعقل لم يعد تقليديا والتجربة بدورها لم تعد كما تتصورها النزعة الاختبارية، إذ لا تعارض اليوم بين العقل والتجربة، بين الوصف والتفسير والتنبؤ، بل بفضل الجمع بين المكونين، استطاع العلم أن يواصل تقدمه بشكل أكثر ثباتا ومعقولية.

 


1- الكوسموس Cosmos كما يعرفه lalande في معجمه الفلسفي هو "العالم بوصفه منظومة منتظمة تماما، ففي الأصل الكوسموس يعني الراتوب والنظام Ordre، وهي دلالة أطلقها الفيثاغوريون على العالم" (ص. 234)
2- أولمو، الفكر العلمي الحديث، دفاتر فلسفية، العقل والعقلانية، ترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر،2003، ص.17.

Par aguelmous.over-blog.com - Publié dans : مجزوءة المعرفة
Ecrire un commentaire - abdelkrim798@hotmail.com
Retour à l'accueil

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد

بــــــــحـــــــــث

أجــــــنـــــــدة

Avril 2014
L M M J V S D
  1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30        
<< < > >>
 
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus