عرض حول الإنشاء الفلسفي

عرض حول الإنشاء الفلسفي

إنجاز: الأستاذ عبد الله محراش

ثانوية سيدي وسيدي

تارودانت

مدخل:

بداية يمكن القول أنه يمكن تعلم التفلسف لا الفلسفة مادام من المتعذر –حسب كانط- وجود فلسفة واحدة أو ماهية واحدة للفلسفة، لكن ما هي الأنشطة الأساسية التي يمكن إدراجها داخل تعلم التفلسف؟ يمكن بشكل عام – تماشيا مع كتاب ”تعلم التفلسف“ تقسيم أنشطة التعلم الفلسفي إلى ثلاثة محاور أساسية قابلة للتفكيك إلى عمليات إجرائية جزئية وهي:

1)   الأشكلة أو بناء الإشكالي

2)   بناء المفاهيم والقضايا

3)   الحجاج

فالأشكلة نشاط أساسي في التفكير الفلسفي أما بناء المفاهيم والقضايا فإنه يوجد في أساس بلورة التصورات والمفاهيم والمواقف الكبرى في تاريخ الفلسفة، أما الحجاج فقد أصبح من جديد مثار اهتمام الباحثين بعد انتعاش دراسات الخطاب والبحوث البلاغية المنصبة على الخطاب الفلسفي بالتدقيق ، لذلك نقترح أن نتخذ هذه العناصر الثلاثة كمحاور أساسية لتدريس الفلسفة. يمكن أن نستقي منها الأفعال الذهنية لتعلم كتابة الإنشاء الفلسفي. وقبل أن نقترح صياغة منظمة لهذه الأهداف والأفعال الذهنية داخل الكتابة الإنشائية الفلسفية فإننا سنقدم تصورا نظريا لمفهوم الكتابة الإنشائية في علاقتها بالخطاب الفلسفي كمجال لإنتاج الإشكالات والمواقف وبناء عمليات حجاجية خاصة به.

I-  الإنشاء وعمليات الكتابة الفلسفية:

هناك مسألة أساسية يمكن تسجيلها أثناء الحديث عن الإنشاء الفلسفي وتمثل في غياب تعاقد بيداغوجي واضح بين المؤطر التربوي والمدرس وبين التلميذ في مؤسساتنا التعليمية حول مفهوم الإنشاء الفلسفي وحول علاقته ببرنامج التعلم، وهذا ينعكس على تصور التلاميذ لطبيعة الإنشاء وبنيته الداخلية، ولذلك غالبا ما يتمثل التلاميذ الإنشاء في درس الفلسفة انطلاقا من مرجعيات غير فلسفية كتصورهم للإنشاء الأدبي مثلا، زد على ذلك غياب تصور موحد للإنشاء الفلسفي.
  إن مفهوم الإنشاء الفلسفي يرتبط عموما بالتمرين ويعرف مؤلفو كتاب " تعليم الفلسفة" الإنشاء الفلسفي كالتالي ”الإنشاء-بمعنى من المعان- تمرين مدرسي. لكنه لا يشبه باقي التمارين المدرسية الأخرى، فإضافة إلى كونه تمرينا تقليديا وأساسي في تدريس الفلسفة، شأنه في ذلك شأن تفسير النص. فإنه يشكل عملا متكاملا لا يتطلب من التلميذ العناية به فقط، كباقي التمارين الأخرى – بل يتطلب منه فوق ذلك الإحساس بمسؤوليته ككاتب له“ فلا يمكن الاستغناء عن الإنشاء الفلسفي في درس الفلسفة أنه أساسي جدا لأنه يحيل على ماهية فعل التفلسف.


إن الاعتراف بأهمية الإنشاء الفلسفي لا يستبعد الاعتراف بصعوبته: فالصعوبة لا تكمن في عدم قابليته للتعليم والتعلم، بل يرجع إلى كونه اختبارا صعبا وذلك على الأقل من ناحيتين:

1.   فهو اختبار للتلميذ الذي يواجه معقولية صعبة وتتطلب الكثير من الجهد.

2.   وهو اختبار للأستاذ الذي يكشف فيه أخطاء تعليمه.

الإنشاء الفلسفي تمرين مدرسي أساسي وبالفعل لا يمكن لأي مدرس أن ينكر ضرورة  تهيئ وإعداد التلاميذ في درس الفلسفة لأجل ممارسة التفكير الذاتي، وكل واحد منا يحس جيدا أننا سنستفيد كثيرا بتساؤلنا عما يسهل ممارسة البناء الإشكالي والبناء المفهومي والحجاج (في تعلم التفلسف) وكل مدرس يقدر الفائدة الزهيدة للنصيحة في هذه المجالات الثلاثة حينما لا تصاحب بتوجهيات دقيقة وتمارين مؤسسة على تحليل العوائق التي يواجهها التلاميذ. فالتفكير الذاتي مسألة شخصية وعليه ينبغي دائما أن نعمل جاهدين على فهم أفضل ”للقدرات الفلسفية“ التي نطلب من التلاميذ إنجازها، فرغم المجودات التي بذلت في إطار بيداغوجيا تدريس الفلسفة، فإن المدرس سيظل موزعا بين ما أسماه ”ميريو“ ”الضرورات الفلسفية“ وبين ”الالتزامات البيداغوجية ”للمؤسسة التربوية التي يعمل بها. فالتفكير الفلسفي مسألة أساسية في تدريس الفلسفة وكتابة هذا التفكير وتنظيمه مهمة أكثر أهمية عن أي إنجاز جزئي آخر، لكن هذه الكتابة ليست فعلا إبداعيا خالصا بل هي في عمقها خلاصة أو عصارة لخبرات تربوية ومكتسبات مراس وتعلم سابقين وخاضعين لتنظيم مؤسسي: كفايات، مقررات، تمارين، دروس... ولذلك يجب علينا أن نبحث عما نريد من التلميذ معرفته وإنجازه بدقة وصياغة المناهج الضرورية الملائمة لذلك، إن كتابة الإنشاء تقوم على ممارسة أفعال الكتابة ويمكن أن ندرجها داخل محاور نراها محايثة لكل تفلسف هي: -البناء الإشكالي –البناء المفهومي-الحجاج. وسنفرد لها تحليلا خاصا يبرز خاصياتها قبل أن نعرض ترجمتها البيداغوجية الممكنة داخل لوحة إجرائية للكتابة الإنشائية تكون قابلة نسبيا للمعاينة والتقييم والتصحيح.

II  - الكتابة الإنشائية والقراءة:

يعتبر كتيب البرامج والتوجيهات التربوية الخاص بتدريس الفلسفة والفكر الإسلامي القراءة أحد الأبعاد التي تعطي لهذا الدرس خصوصيته، خصوصا وأنها لا تختزله إلى العمل الشفوي الأستاذ والتلميذ، فالاشتغال  على النص المكتوب نشاط أساسي في برامج التدريس، فهل يمكن الاستغناء من الناحية البيداغوجية عن رهانات القراءة في تدريس الفلسفة؟ أكيد ”لا“، فالتعليم الفلسفي يتطلب اتصالا مباشر ودائما بالنصوص وأن الفلسفة توجد أولا لدى كبار الفلاسفة وداخل مؤلفاتهم (ليست شفاهية) ولا تتم معرفتنا بهم إلا بفعل القراءة المباشرة لنصوصهم لا بواسطة شارحيهم، ولا ينبغي أن يكتفي الأستاذ بدعوة التلاميذ إلى قراءة هذه النصوص بل عليه إلزامهم بذلك ولهذه الضرورة مبررات تتمثل في:

1. إن تعليم الفلسفة للشباب من داخل النصوص يعني حسب بول ريكور ”جعلهم يدخلون مكانا سبق أن تكونت فيه اللغة مكانا سبق أن سكن فيه أفلاطون وديكارت وكانط...“

2. لأن النص مكون أساسي لبنية دروس الفلسفة، فهو يبرز خصوصية الخطاب الفلسفي من حيث المصطلح واللغة والحجاج، كما له دور تثقيفي في غياب عنصر القراءة المنظمة والهادفة لدى التلميذ خارج القسم.

3.   لأن توظيف النصوص في تدريس الفلسفة يساهم في تأسيس علاقة تربوية إيجابية بين التلميذ والمدرس.

4. لأن استثمار النصوص الفلسفية يمكن من ضبط وتقنين عمليات التقويم إذا ما تم تنظيم تدريس النصوص داخل برنامج بيداغوجي إجرائي هادف.

بناء على ما سبق فإن تحليل النص يبقى أفضل وسيلة للانخراط المباشر في فكر الفلاسفة، فقراءة النصوص الفلسفية (سواء اعتبرناها تفسيرا أو تحليلا أو دراسة منظمة) وظيفة أساسية من وظائف اختبار وتشخيص مدى نجاح أو فشل العمليات التي ينبغي على المتعلم أن يمارسها فقيمة النجاح أو الفشل هي التي تعطي لقراءة النصوص داخل المجال المدرسي بعدها البيداغوجي الذي ينضاف إلى بعدها الثقافي الفلسفي.

لكن كيف نعمل على ألا يكون النص مجرد مطية للمرور إلى الإنشاء الفلسفي، وكيف يمكن أن نوجه هذا التفكير في النص حتى لا يتيه في سذاجات شخصية قد تختزل التفكير إلى انطباعات شخصية للتلميذ بتلقائية وربما عشوائية، لا يمكن حل مثل هذه الإشكالات إلا إذا ربطت الكتابة الإنشائية في درس الفلسفة قراءتها للنصوص ببرنامج لأنشطة وتمارين موضوعها عمليات عقلية أساسية كالفهم والتحليل والمناقشة.

III  - عملية الكتابة الفلسفية:

أولا: البناء الإشكالي:

تربط كل الدراسات التي أقيمت حول الخطاب الفلسفي، فلسفية كانت أو غير فلسفية فعل التفلسف بفعل التساؤل ”الأسئلة في الفلسفة أكثر جوهرية من الأجوبة، وكل جواب يتحول فيها إلى سؤال جديد“ فما هو الإشكال الفلسفي إذن؟ يقول كورتينا (courtinat  ) ” إذا استقرأنا الإيثيمولوجيا فإن كلمة إشكال problème   تعني ما يوجد جاثما أمامنا وقريبا منا (pro-jeté  ) ما يعرض ذاته علينا للملاحظة والتفكير، أما اللغة العادية فكلمة إشكال تعني العائق، وفي المنطق تعني الكلمة ما يكون معروضا أو مقترحا لأجل البرهنة عليه. ليس الإشكال إشكالا إذا إلا لأنه:

  1. يثير قلق الفكر ويدفع إلى التمحيص والملاحظة والمعاينة.
  2. موضوع غير مستقر داخل المعرفة ومجال الإدراك، فهو يحتاج دائما إلى برهنة تعطيه مكانا ما داخل نظام المعرفة والحقيقة.

إن وضوح الإشكال وظهوره وانكشافه داخل الخطاب الفلسفي لا يعني بساطته وبداهته لأن المنطق الداخلي لبناء الإشكال هو ما يسميه البعض بالمفارقة، فالإشكال الفلسفي يبرز بشكل واضح في المفارقة. في المفارقات يسير التناقض إلى تأكيد ذاته لا إلى إلغائها فطرفا التناقض يدخلان في علاقة مزدوجة: كل واحد منهما يستبعد الآخر لكنه يستدعيه أيضا. والحال أن بناء إشكال ما، يعني أن نقيم حقلا استفهاميا يوحده إشكال ما أي مفارقة جامعة لمفارقات جزئية أو مسألة عويصة تأسيسية وجوهرية شبه ميتافيزيقية لا يمكننا السيطرة عليها والإحاطة بها كلية. أن نبني إشكالا ما يعني أن نحول مسائل (جزئية) صعبة إلى مشاكل عويصة تكاد تكون غير قابلة للحل.

ثـــــانيــــا: بنــــاء المفاهيـــــم

لا أحد ينكر لجوء التفكير الفلسفي إلى المفاهيم لأجل معالجة قضاياه وصياغة إشكالاته وأطروحاته وتصوراته، فالحديث عن المفاهيم الفلسفية لا يتم خارج اللغة الفلسفية ذاتها هذه اللغة الفلسفية لا  توجد خارج اللغة الطبيعية التي يتكلمها غير الفلاسفة، إن الفيلسوف يستعمل معطيات اللسان واللغة الطبيعية استعمالا فلسفيا يختلف عن استعمالات أخرى كالاستعمال الشعري أو القصصي... وتاريخ الفلسفة هو تاريخ استعمالات مختلفة لمعطيات اللسان واللغة الطبيعية.
وتعتبر الدراسات السيكولوجية حول التعلم أن بناء المفاهيم شيء أساسي في اتجاه تعلم العمليات الفكرية العليا. فالمتعلم في مراحل تعلمه المتقدمة يحتاج إلى التعود على بناء مفاهيم عامة انطلاقا من معلومات أو تمثلات أو قيم ذهنية لا فقط من موضوعات حسية، وهذا ما نراه ضروريا داخل درس الفلسفة، فليست المفاهيم مجرد وحدات معجمية بل هي أدوات يمكن اتخاذها كمداخل متعددة للتفكير في قضية ما. من هنا لم تكن مقصودة في ذاتها. وإذا وجب تعريفها داخل الكتابة الفلسفية، فليس ذلك إلا مدخلا لبناء إشكال ما أو تحليل أطروحة معينة أو مناقشة موقف فلسفي ما.

ثــــالثـــــا: الحجــــاج الفلسفــــي

*   ما هو الحجاج؟

الحجاج عمل عقلي، ويتعلق على الخصوص بأحد جوانب الأنشطة العقلية المرتبطة بمجال التواصل وتبادل الخطاب داخل الحياة الإنسانية. فقد أضحى الحجاج ذو أهمية قصوى داخل الفكر المعاصر باعتباره أحد العمليات الأساسية الضرورية للحياة المعاصرة، كما أن العمليات الحجاجية (مادام الحجاج يهدف إلى الإقناع) تسود كل أشكال التواصل والخطاب الاجتماعي والسياسي والقانوني والإشهاري... فداخل كل مناقشة أو حوار يسعى الفرد إلى إقناع الآخرين بوجهة نظره أو دحض وجهات نظرهم بشتى الوسائل الاستدلالية. وينهل الحجاج –بخلاف البرهان- الذي يتم داخل نسق محدد بشكل كامل من متن غير محدد بشكل تام. ويمكن للأطروحات التي يستند إليها أن تكون جزئيا مضمرة وإذ يمكن للنتيجة داخل البرهان أن تكون مستنتجة من المقدمات بشكل ضروري، فإن الأدلة التي تعتمدها لدعم أطروحة ما داخل الحجاج لا تتضمن بالضرورة تلك النتيجة، فقد تكون هذه الأدلة قوية تقريبا مثلها مثل الأدلة التي يمكن أن تقدم لدعم الأطروحة المعارضة. وإن الموافقة على الأطروحات المتعارضة فيما بينها تتم استنادا إلى تقدير جميع الأدلة الداعمة أو المفندة لهذه الأطروحة أو تلك قياسا إلى قيمة الحل الذي تقدمه كل واحدة منها للمشاكل موضوع المناقشة.
عموما يهدف كل حجاج إلى الإقناع لا إلى تأسيس حقيقة ما. فما هي إذن الأسس التي ينطلق منها كل حجاج؟

 يجمل ”برلمان“ هذه الأسس في أربعة أساسية هي:

1- الوقائع

 2- الحقائق

3- الأفكار والتمثلات الشائعة

4- القيم.

 فكل حجاج قد ينطلق من وقائع تاريخية سياسية... أو حقائق يفترض أنها عناصر موضوعية تفرض ذاتها على الجميع، كما يمكن ان ينطلق الحجاج من أفكار مشتركة أو مقبولة اجتماعيا، وأخيرا ينطلق الحجاج من القيم وهي أحكام تنطبق على ما ينبغي أن يكون.

أما التقنيات الحجاجية فهي كثيرة جدا ويصعب صياغتها داخل نظرية صورية وتنظيم مبادئها وعملياتها كما هو الشأن بالنسبة للنظرية الحجاجية التي نجدها موزعة داخل مختلف الخطابات العالمة على الخصوص: الخطاب الأدبي أو التاريخي أو الفلسفي أو القانوني...

E الأولى: تقنيات خاصة بالوصل والربط بين مفاهيم وأفكار وقيم وأحداث هدفها إقامة علاقات وتأسيس بنيات للتفكير في الواقع والموضوعات والأفكار ذاتها وهذه التقنيات الواصلة تنقسم إلى ثلاثة وهي:

1. تقنيات شبه منطقية: وهي التي تستعمل عددا من العمليات المنطقية من تعار يف واستدلالات (استنتاج، استقراء...) لكنها غير مصاغة صوريا بل تتم داخل اللغة الطبيعية، لذلك تظل حدودها وقضاياها وعلاقاتها ملتبسة ومفتوحة أمام التأويل والاختلاف –لعدم دقة حدودها وعلاقاتها، لكن ذلك لا ينتقص من قيمتها، فهي لا تخضع لمعايير كالصدق أو الكذب لكن يمكن إخضاعها لمعايير حجاجية أخرى كالتساوق والملائمة والقوة والمتانة أو الضعف والتفكك وعدم التساوق.

2. تقنيات وأدلة مؤسسة على بنية الواقع: وهي التي تقوم على علاقات توجد بين عناصر من الواقع (أحداث، موضوعات، حركات، أفعال...) يتم انطلاقا منها الاعتقاد في موضوعية هذه العلاقات، أهم هذه العمليات الحجاجية: علاقات السببية والتتالي وعلاقات التزامن بين الأحداث، إضافة إلى الأدلة البراغماتية أو العملية وهي التي تختزل قيمة الموضوع أو الشيء أو الفكرة إلى الآثار العملية التي تنجم عنه أو عنها.

3. تقنيات وأدلة تؤسس ببنية الواقع: وهي التي تسمح بإقامة قاعدة عامة أو حكم أو نموذج مثالي حول الواقع أو الموضوعات انطلاقا من مثال أو حالة خاصة فهي إذن تنتقل من الخاص إلى العام. وأهم العمليات التي تدخل في هذا الباب، المماثلة، والاستعارة والتمثيل (استعمال المثال).

E الثانية: تقنيات الفصل: وتقوم على عزل عناصر من غيرها لأجل إعادة بنائها داخل نسق جديد متفق عليه، أهم هذه العمليات الفصل بين العرض والماهية بين الجزئي والكلي بين المتغير والثابت...

إن الكتابة الفلسفية اذن بمختلف أساليبها الخطابية مزدوجة: فهي من ناحية تخاطب متلقيا ما وتستعمل تقنيات حجاجية ذات وظيفة تربوية وفكرية، لكنها أيضا تخاطب في هذا المتلقي نموذجا كونيا للإنسان هو بالذات الإنسان العاقل الذي ظل دائما رهانا يصبو إليه كل تعلم فلسفي، وربما كان رهان كل تعليم فلسفي إكساب المتعلم مختلف الأساليب الحجاجية الفلسفية سواء كانت تنهل من المجال المنطقي أو الجدلي أو البلاغي... وكلها أساليب سائدة في الكتابة الفلسفية ويمكن أن تكون موضوع تعليم وتقويم في مجال تدريس الفلسفة حاليا.

نحو استثمار بيداغوجي لعمليات الكتابة الفلسفية

أولا: البناء الإشكالي وعمليات الفهم

الأسئلة التي تطرح هنا كيف يمكن استثمار عمليات الأشكلة داخل الكتابة الإنشائية الفلسفية؟ كيف يمكننا تحويل الأشكلة إلى تمرين مدرسي؟

بداية تجدر الإشارة إلى أن كل الكتابات البيداغوجية ربطت بين الكتابة الإنشائية وبين تحليل أو معالجة إشكال فلسفي محدد. غير أن هذه العلاقة ليست مباشرة بل تتأسس داخل عمل دوري للتمارين الفلسفية الخاصة بالأشكلة داخل الدروس، وترتيبا على ذلك لا يكفي طرح الإشكالية في بداية كل درس من طرف المدرس لكي يتعلم التلميذ إشكالات معينة، وعليه يجب بناء هذه التمارين على أساس عمليات أساسية يقترحها مؤلفو كتاب ” تعلم الفلسفة“  كالتالي:

1)   التساؤل: وهو القدرة على جعل فكرة أو مقولة كانت تظهر بديهية إشكالية أو مشكوكا في بداهتها.

2) الاكتشاف: وهو القدرة على إبراز إشكال فلسفي معين انطلاقا من تلك المقولة أو من علاقة بين مقولتين وهذه هي اللحظة الحاسمة في الأشكلة عند ”فرانس رولان“ يقول:       ” نطلق كلمة ”إشكال“ بشكل عام على سؤال نقدي يصوغ علاقة ما بين وقائع، بين أفكار، أو بين عناصر من هذه الأفكار أو تلك الوقائع، وهذا يعني أنه لا توجد أية فكرة أو واقعة تكون في ذاتها إشكالا، إن الإشكال ينطبق على علاقة الفكرة بفكرة أخرى أو علاقة الواقعة بغيرها من الوقائع“.

3) الصياغة التركيبية: وهي القدرة على صياغة الإشكال في شكل خيار بين موقفين أو أكثر، أي بشكل يسمح بالانفتاح على إجابات ومواقف عديدة. كأن نقول: هل الأفعال التي نقوم بها هي ناتجة عن إرادتنا أم نحن ملزمون بها؟ ولكي يحقق عمل التمارين الفلسفية الخاصة بتعلم الأشكلة أهدافه يجب ربطه بالاشتغال على النصوص الفلسفية فلا يمكن للتلميذ أن يساءل أو أن يبني إشكالات فلسفية دون الاستناد إلى معطيات (نصوص حاملة لقضايا وأطروحات فلسفية).

-   الترجمة الإجرائية لعمل الأشكلة:

الفهم: السؤال المطروح ما هو التحديد الذي يمكننا إعطاؤه للفهم في علاقته بعملية الأشكلة وبمراعاة الخصوصيات الديداكتيكية لدرس الفلسفة؟

إن الفهم يشكل أولى عمليات القراءة في اتجاه أشكلة الأفكار المقروءة ويلخص لنا ”ياسبرز“ الإطار الفلسفي العام لفهم النصوص الفلسفية كالتالي ” نريد فهم النص لأجل اكتساب محتواه لذلك يجب علينا أن نفكر في محتوى النص وفي ما أراد المؤلف قوله فيه. وإذا ما انعدم أحد هذين العنصرين فإن القراءة ستفقد فائدتها، وحينما أكون بصدى دراسة نص ما، فإنني أفكر ذاتيا في المحتوى ويعيش فهمي تحولات دون إرادة مني، لذلك- ولكي يكون الفهم جيدا يجب أن نحقق أمرين: أن نقوم بتعميق المحتوى وإن ندرك بوضوح المعنى الذي يقصده المؤلف“.
إن القيام بأشكلة معطيات النصوص الفلسفية يقتضي فهم هذه النصوص غير أن الفهم وحده غير كاف للقيام بالأشكلة، فينبغي أن يكون فهم النص موجها بهواجس هي التي تدفع التلميذ إلى الانتقال من القراءة السطحية أو الحرفية للنص إلى أشكلته ومن جهة أخرى لا يكون فهم النص ممكنا دون فهم من نوع آخر هو فهم السؤال: فما هو الهدف العام لفهم السؤال؟ إنه إنجاز الطرح الإشكالي كمدخل للإنشاء الفلسفي : أما عملياته الإجرائية فهي:

 1- إدراك التلميذ الإطار العام للسؤال 2- صياغة الإشكال: المفارقة المتضمنة في السؤال وذلك عبر:

أ‌-    إبراز المفاهيم الأساسية التي ينبني عليها السؤال.

ب‌-     طرح الأسئلة الفرعية التي تقوم عليها المفارقة الكامنة في السؤال.

ت‌-     تنظيم هذه الأسئلة الفرعية بشكل يجعلها متماسكة ومتدرجة ومتكاملة.

ث‌-     التأدي إلى بلورة المفارقة المتضمنة في السؤال.

فما هو الهدف العام لفهم السؤال؟

لا يقف فهم النص عند الأفكار الأساسية بل لابد أن ينتهي على تحديد أطروحته حول الإشكال الفلسفي الذي يتم تحديده عبر عمليات فهم السؤال السالفة الذكر وتتمثل العمليات الأساسية لفهم النص في:

1. الملاحظة : وتتضمن إجراءين: أ- القراءة بمعناها الأولي: تصفح الجمل والمنطوقات كما تتوالى داخل النص، رصد نوعية هذه الجمل وتصنيفها (الجمل التقريرية- الجمل الاستفهامية...) ب- تحديد المفاهيم الأساسية للنص.

2. التحويل: ويتضمن بدوره إجراءين: أ- تقسيم النص إلى وحداته الأساسية. ب- استخراج الأفكار الأساسية وتسجيلها.

3. تركيب عناصر الفهم: وهو استنتاج جزئي يأخذ شكل صياغة تركيبية لأطروحة النص وستكون هذه الأطروحة موضوع تحليل ومناقشة فيما بعد.

ثانيا: بناء المفاهيم وعمليات التحليل

إن الاشتغال على المفاهيم في درس الفلسفة يخضع لأهداف الدرس الفلسفي ذاته. وإذا كان أحد الأهداف العامة لذلك الدرس هو تدريس قضايا عامة يثير ذلك الدرس بصددها إشكالات، فإن المقصود من ذلك بناء علاقات إشكالية بين مفهوم وآخر، وعليه فالاشتغال على المفاهيم لا يعني فقط شرحها وتفسيرها بالاكتفاء بالمعطيات القاموسية العامة والفلسفية بل اكتشاف تقاطعات المعنى بين فلسفات عديدة حول نفس الموضوع (العقل/الرغبة/السعادة..) ويمكن صياغة هذه التقاطعات في شكل بنيات مفاهيمية تفكر بواسطتها في ذلك الموضوع. وهكذا فإن التفكير في مفهوم العقل داخل الفكر الإسلامي مثلا ليس مجرد تفكير في دلالته اللغوية والتداولية بل يسمح بإقامة بنيات مفاهيمية فرعية داخلها نبني إشكالية نفكر بواسطتها في المفهوم الذي يكف بذلك عن أن يكون مجرد وحدة لغوية أو دلالية ليصبح تيمة فكرية... وإذا كانت التيمة الفكرية تركيبية بطبيعتها لأنها بنية إشكالية من المفاهيم، فإنها يجب أن تخضع لعمليات ملائمة داخل الكتابة الإنشائية يطلق عليها اسم التحليل، فليس المقصود بالتحليل في درس الفلسفة مجرد عمليات العزل والتفكيك والتصنيف فقط بل أيضا التفكيك لأجل البناء الخاضع لمتطلبات الإنشاء الفلسفي الذي هو عملية تركيبية بنائية والواقع أننا نخطئ كثيرا حينما نربط التحليل بعمليات التفكيك والتجزيء فقط. فالتحليل عملية فكرية تقصد منهجيا اكتشاف العلاقات التي تربط بين أجزاء معينة، وليس التحليل تحليلا إلا حينما يتجه قصديا إلى تحديد بنيات من العلاقات التركيبية الناظمة لعناصر ما.

فما هو التحديد الإجرائي الذي يمكننا إعطاؤه للتحليل داخل إجراءات الكتابة الفلسفية وبالخصوص الإنشائية؟

يشكل عمل الأشكلة –الذي ينطلق من عمليات فهم النص وفهم السؤال- مدخلا لعملية التحليل أي: تحليل الإشكال- الذي صيغ في مقدمة الكتابة الإنشائية تبعا للمواصفات البيداغوجية التي أوردناها سابقا إلى: 1- مفاهيمه الأساسية الواردة فيه كإشكال. 2- عناصر التيمة الفلسفية التي تكون موضوع بحث في الكتابة، فالاشتغال على مفهوم ينبغي أن يتجه نحو بناء تيمة فكرية أي علاقات فكرية بين المفهوم وبين مفاهيم أخرى مرتبطة به إشكاليا. 3- تحليل المواقف الفلسفية الأساسية ابتداء من الموقف المتضمن داخل النص موضوع الاشتغال.

فكيف يمكن ترجمة حركية التحليل هاته إجرائيا داخل الكتابة الإنشائية؟

1. التفسير: يتخذ التفسير شكل توضيح، توضيح النظام الداخلي لعرض أفكار النص وذلك من خلال المؤشرات النصية وعوامل الربط والتركيب والاستنتاج، أو شكل تأويل، تأويل ذلك النظام إذا كان ضمنيا والمقصود بالتأويل افتراض سياق ضمني يعطي لأفكار النص نظاما محتملا ما (مقدماته الممكنة، نتائجه الممكنة...)

2. تحليل المفاهيم: (أو بناء المفاهيم) وهو الذي ينصب على المفاهيم الواردة في السؤال/النص/القولة: وتجدر الإشارة إلى أن الأمرلا يتعلق فقط بتحديد الدلالات المعجمية بل ينبغي أن يمتد هذا الاشتغال إلى تحديد العلاقات الممكنة مع مفاهيم  أخرى ضرورية للتفكير فيها. وهنا المستوى الثالث (إجرائيا) للتحليل.

3. بناء العلاقات: وتنصب هذه العملية على إقامة علاقات إشكالية بين المفاهيم التي سبق تحديدها وتعريفها/ من أجل استثمار هذه العلاقات سواء كانت علاقة اتصال (تكامل، تداخل) أو انفصال (تضاد، تناقض) في بناء تيمات أو موضوعات فكرية فلسفية. ولذلك كانت الغاية الإجرائية لعمليات التحليل داخل هذا المستوى هي:

1) كشف العلاقات الإشكالية الممكنة بين المفاهيم مثال ذلك (العلاقة بين الرغبة والحاجة، الحقيقة والرأي، النظرية والتجربة...)

2) كشف موقف النص من هذه العلاقات الإشكالية الفكرية وموضعته بالمقارنة مع مواقف أخرى أو بالتعارض معها وهذه العملية التالية هي التي تهيأ لبعض الإجراءات الحجاجية في الكتابة الإنشائية من نقد ومقارنة ومقابلة وغيرها.

 


 

ثالثا: الحجاج وعملية المناقشة

الحجاج عمل أساسي في كل خطاب فلسفيا كان أو غير فلسفي، لكن كيف يمكن استثمار مختلف أساليب الحجاج الفلسفي في تعليم تقنيات الفلسفة؟

نؤكد في البداية أنه يصعب جدا داخل تدريس الفلسفة التركيز على جميع العمليات الحجاجية كما تستعمل داخل الخطاب الفلسفي. ولذلك من اللازم أن يركز التعليم الفلسفي على بعض الأساليب الحجاجية الأساسية أهمها: الاستنتاج والقياس الشرطي، والبرهان بالخلف والتمثيل والمماثلة والمقارنة والجدل (الإحالة على العرض الذي قدمه الأستاذ المؤطر الحسين بوتبغة على هامش الدرس التجريبي الذي أنجزه الأستاذ كرام بأولاد تايمة سنة 2007).

فكيف يمكن إذن ترجمة بعض العمليات الحجاجية المقدمة أعلاه إجرائيا داخل الكتابة الإنشائية أو التركيبية؟

يمكن للحجاج أن يسود الكتابة الإنشائية بكاملها في الطريقة التي بها يتم بناء الإشكال وصياغته وفي الكيفية التي يتم بها تحليل مفهوم ما أو تيمة فكرية، لكن العمليات الحجاجية تبرز أكثر داخل العمليات الجدلية للكتابة الإنشائية إلى جانب طبعا عملياتها الخطابية كالمماثلة (الاستعارة والتمثيل والاستنتاج...) سواء أخذنا الجدل بمعنى امتحان الآراء أو بمعناه الحديث كمواجهة للآراء والمواقف بعضها البعض والتركيب بينها...

يأخذ الجدل صيغته الإجرائية -كما نقترحها – من خلال المناقشة بوصفها نقدا داخليا للمواقف والأفكار الفلسفية، ونقصد بالمناقشة الجانب النقدي التقويمي في الكتابة الإنشائية.
ونلخص العمليات الإجرائية المناقشة (أو الجدل) في عمليتين أساسيتين هما: النقد الداخلي والتركيب بين المواقف.

1. النقد (أو الجدل): لا يقصد به مجرد إبداء الرأي أو مجرد التفنيد أو الدحض لمجرد الدحض بل هو عملية منظمة داخل الكتابة تنطلق من مكتسبات عملية التحليل موضوع النقد هو النص أولا – كما فهمه التلميذ وقام بالتساؤل حوله- أي أفكاره الداخلية وموقفه الظاهر أو الضمني، وموضوعه ثانيا هو البناء الاستدلالي الداخلي الذي صاغ به صاحب النص تلك الأفكار أو ذلك الموقف. أما هدفه فهو إبراز القوة الاستدلالية الحجاجية للنص من خلال العمليتين التاليتين: أ- بيان تماسك (أو عدم تماسك) النص الداخلي: تماسك الأفكار تماسك الأدلة الحجاجية (أمثلة، استعارات، مماثلات...) وحسن توظيفها داخل سياقها النصي. ب- بيان قوة الإقناع في النص عبر سرد أدوات الإقناع ونوعيتها داخل النص (إن هي وجدت فيه).

2. التركيب: ونقصد به التركيب بين المواقف انطلاقا من المواجهة بينها ومقارنتها ببعضها البعض، ويمكن لهذا العمل التركيبي أن يأخذ صيغا متدرجة: كالمقابلة بين موقفين متعارضين أو أكثر يكون موقف النص/القولة.. أحدهما... والهدف منها إبراز تباينها وتميزها عن بعضها البعض.

خلاصات عامة:

- تمثل الأشكلة، بناء المفاهيم والحجاج الأساس الذي يقوم عليه تعلم التفلسف برمته والكتابة الإنشائية بوجه خاص.

- يتسم الإنشاء الفلسفي بخصوصيات تجعله يجسد ماهية فعل التفلسف من هنا تنبثق ضرورة الإعداد له جيدا مع  التلميذ على ضوء الخبرات والمكتسبات التربوية حتى يصبح قادرا على بناءه بكيفية دقيقة تحترم كل شروط المعقولية، التسلسل، التدرج والتماسك....

  - أمام الأهمية التي يكتسيها النص داخل مسار فعل التفلسف تبقى القراءة هي السبيل الأنجع لاختراقه ومن ثم الاحتكاك المباشر بفكر الفلاسفة.

  - إن الكتابة الفلسفية تستوجب الانطلاق من طرح مجموعة من التساؤلات التي تثير نوع من القلق الفكري وتدفع الى البحث والتمحيص، هذه التساؤلات التي تقتضي الفهم الجيد للنص هذا الفهم الذي يسمح بتجاوز ماهو سطحي وظاهر.

  - إن المفاهيم في حقل الفلسفة ليست مجرد وحدات معجمية بل هي آليات تمكن من اختراق مجال التفكير في قضية ما، وبهذا فهي تخضع للتحليل القائم على دراسة العلاقات التركيبية القائمة بين عناصرها وذلك بهدف الكشف عن موقف صاحب النص منها.

  - إن الكتابة الفلسفية مادامت تهدف الى إقناع متلقي كوني فمن الضروري أن تتأسس على بنية حجاجية تضفي على النص قيمة وقد تسمح بالكشف عن حدوده وقصوره.  

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد

بــــــــحـــــــــث

أجــــــنـــــــدة

Août 2014
L M M J V S D
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
             
<< < > >>
 
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus