Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
1 juin 2016 3 01 /06 /juin /2016 15:39

"المفاهيم الفيزيائية إبداعات حرة للفكر البشري، وليست كما يمكن أن يعتقد محددة فقط من طرف العالم الخارجي وحده"

أوضح (ي) مضمون القولة، ثم بين(ي) علاقة النظرية بالتجربة

من إعداد الأستاذ: عبد الكريم بوهو

إن المعرفة العلمية هي تنظيم الملاحظات والاستنتاجات والتجارب عن طريق إنشاء بنية منطقية منظمة ترمي إلى تقديم تفسيرات عامة أو دقيقة حول وقائع الطبيعة بظواهرها المتعدد، وذلك من خلال بناء ما يطلق عليه بـ"النظريات" العلمية التي تختلف عن النظريات الفلسفية التأملية في أنها ذات محتوى تجريبي أو أنها، على الأقل، تحتمل التجريب في مرحلة لاحقة؛ غير أن هذا التحديد العام ليس بسيطا أو بديهيا لأنه يضعنا أمام سلسلة من الإشكالات والمفارقات التي قد تتصل بطبيعة البناء النظري الرياضي وعلاقته بالواقع، وقد ترتبط بعلمية البنى النظرية وحدود صلاحيتها.

يطرح الزوج المفهومي "النظرية والتجربة" إشكاليات فلسفية وإبستمولوجية مهمة وصعـبة سايرت تاريخ الفلسفة، وهي علاقة الفكر بالواقع، أو علاقة العقل ببنيته وقوانينه ومقولاته القبلية، أو علاقة الوعي بالموضوع، أو علاقة الذات بالعالم الخارجي، أو علاقة العقلانية التأملية بالعقلانية التجريبية، بين أن تكون علاقة تكامل وتمفصل وتلازم، أو أن تكون علاقة تحرر وانفصال وقطيعة. في هذا السياق نجد أن منطوق القولة يحيل إلى مفارقة إبستمولوجية ترتكز على طبيعة العلاقة الإشكالية التي يمكن أن تجمع النظرية بالتجربة؛ فالنظرية من حيث هي بناء مفاهيمي ورياضي، تحقق تماسكها من خلال بنيتها الداخلية باعتبارها بناءا أكسيوميا وعقليا خالصا؛ كما أن النـظرية-في نهاية المطاف- لا يمكن أن تستقل بشكل مطلق عن التجربة من حيث إنها تحاول فهم الواقع وتفسيره عبر صياغة قوانين فيزيائية عامة، واقع يتطلب معرفة مادية تجريبية وأخرى فكرية نظرية تتعالى على الواقع ولا يمكن للتجربة أن تستوعبها أو تتحقق منها.

فما النظرية؟ وما التجربة إذن؟ وما طبيعة العلاقة القائمة بينهما؟ وهل النظرية العلمية عامة، والفيزيائية على وجه التحديد، نسق عقلي ورياضي-أكسيومي، أم يتعين اختزال محتواها في ما هو تجريبي؟ وإلى أي حد يمكن القول إن النظرية العلمية الفيزيائية ترتكز على قوة المنهج العقلي الفرضي الاستنباطي فقط، أم أنه لا يمكن بناء النظريات العلمية بمعزل عن هذا الواقع التجريبي-الحسي؟ ألا يمكن القول إن النظرية العلمية تستلزم الجمع بين قوة المناهج العقلية وخصائص الأجسام والظواهر الأمبريقية؟

قبل الإجابة عن مختلف هذه التساؤلات المؤطرة لموضوع قولتنا قيد التحليل والمناقشة، يتبين أن المطلوب منا هو شرح مضامين هذه القولة بالتركيز على المعرفة الفلسفية والإبستمولوجية وغيرها مما يمكن أن نحلل به طبيعة العلاقة الإشكالية التي تربط النظرية بالتجربة، سواء أكانت تلك العلاقة علاقة تلازم وتكامل، أو أنها علاقة تحرر واستقلالية. إلا أننا، بعد قراءتنا المتفحصة والمتأنية للقولة، نجد أنها تعلن عن أطروحة صريحة مفاذها أن النظرية الفيزيائية هي إبداع فكري لا يمكن اختزال محتواها فيما تجريبي-أمبريقي. في هذا السياق، ومن أجل استجلاء بعض الخيوط الأساسية التي تنفصل أو تتمفصل من خلالها النظرية بالتجربة، لا بأس من الوقوف عند دلالة كل منهما، فما النظرية؟ وما التجربة إذن؟

        إن تحديد مفهوم النظرية من الناحية الفلسفية، وبالضبط كما يحددها لالاند في معجمه الفلسفي، هي "إنشاء تأملي للفكر يربط النتائج بالمبادئ"؛ انطلاقا من هذا التعريف يتأكد أن النظرية لا تنطلق من الواقع المادي التجريبي، ولا غرابة في ذلك مادامت التجربة بالمعنى المادي الملموس، تعتمد على خطوات منهجية تنطلق من عزل الظاهرة وإحداث خلل في بنياتها وأجزائها، ثم ملاحظة تغيراتها وصياغة قوانين نظرية ثابتة تحكمها؛ إن التجربة -كما يعرفها لالاند- هي "المعرفة المباشرة والحسية التي نكونها عن الواقع أو الظواهر".

إن الطابع الإشكالي الذي يميز علاقة النظرية بالتجربة هو في الحقيقة إشكالية عالجها الفلاسفة بمفاهيم مختلفة، وهي علاقة الفكر بالواقع، أيهما يحدد الآخر؟ أي أن تطور العلوم الحقة وعلى رأسها العلوم الفيزيائية جعلتنا ننتقل إلى سؤال آخر وهو: هل التجربة منطلق النظرية، أم أن النظرية بناء عقلي ورياضي خالص؟ إن السيرورة التاريخية للعلوم الحقة عامة، والعلوم الفيزيائية على وجه التحديد، تشهد كيف أن التجربة قد أعاقت تطور العلم الكلاسيكي بالخصوص، لأنه كان يرتكز على المنهج التجريبي الذي طغت سيادته في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي بالنظر إلى محدودية معطيات التجربة الأمبريقيةEmpirique .

لقد بدأ العلم ثورته مع كوبرنك وغاليلي وديكارت وغيرهم ممن أثبتوا لا تناهي الكون، فقلبوا المفاهيم العلمية رأسا على عقب، ليفكر العلم بعد ذلك في ضرورة بناء تصور ومنهج جديدين ينسجمان وطبيعة هذه الثورة والاكتشافات العلمية التي تلتها وارتبطت بها. ومنذ ذلك الحين بدأت تتحدد معالم ضعف وعدم قدرة التجربة الخام -بالمعنى الكلاسيكي للمفهوم- على سبر أغوار هذا الكون اللامتناهي في الكبر والصغر، ليعلن عن الحقيقة تلو الحقيقة إلى أن صارت الذرة، التي تحدث عنها ديمقريطس ثلاثة قرون قبل الميلاد، واقعا تثبته التجارب العلمية؛ إضافة إلى الثورة التي ستعرفها العديد من النظريات الفيزيائية في مجال الذرة وغيرها، معلنة عن قوة الفكر البشري في خلق أنساق رياضية عقلية خالصة، تنطلق من أوليات لتصل -عبر منهج تأملي وعقلانية مبدعة- إلى نتائج لازال بعضها غير قابل للتجربة، لكنها رغم ذلك تبقى نظريات علمية عملاقة.

إن قوة الفكر وقدرته على خلق مفاهيم فيزيائية بمنآى عن الواقع المادي التجريبي، لمسألة لا تحتاج إلى كثير من البراهين والحجج التي تؤكدها، إذ لا يعقل اليوم أن ننكر أهمية العقل في بناء أنساق نظرية تساعدنا على اكتشاف الواقع وفهمه وإعادة بنائه، فهو ليس إلا معطى طبيعي، يفهم بأشكال مختلفة ومتعددة؛ فالذرة على سبيل المثال، من الصعب بل من المستحيل أن نحدد سرعتها ومسار حركتها في الآن نفسه؛ وبما أن "كل شيء يتكون من ذرات" حسب ديمقريطس، فلا يمكن إذن أن نفهم قوانين الكون إلا بالاعتمادية الكبيرة على قدرة العقل الخلاقة في بناء هذا الواقع نظريا ثم في مرحلة لاحقة يمكنه أن يصير واقعا تجريبيا تعيشه الإنسانية؛ فالملاحظة العلمية تسبق المشاهدة العينية ولا يمكن أن يحصل العكس إلا في قليل من الحالات.

إذا كان منطوق القولة قد ركز على قوة العقلانية التجريدية في بناء أنساق نظرية تتجسد في المفاهيم الفيزيائية مثلا، فهل هذا يعني أن التجربة لا يمكنها أن تلعب دورا أساسيا في بناء النظريات العلمية؟

مما لا شك فيه أن هذا التصور يعكس رؤية معاصرة لقضايا العلم، خاصة ما يرتبط منها بالجانب المنهجي والإبستمولوجي، حيث استطاع رواد هذه العقلانية التجريدية بلورة مفاهيم نظرية متطورة ونسقية متماسكة البناء، أولياتها منسجمة مع نتائجها، قد تتطابق في المستقبل القريب أو البعيد مع الواقع، لكنها تبقى علمية من حيث قوتها المنطقية والعلمية الأكسيومية؛ لكن لا يعني هذا أن هذه العقلانية وحدها قادرة على فهم الواقع، وذلك بالنظرإلى تعدد المواضيع والظواهر المادية القابلة للدراسة الأمبريقية. على هذا الأساس، فإلى أي حد يمكن قبول هذه الأطروحة؟ ألا يمكن القول إن النظرية العلمية هي سلاح ذو حدين أحدهما تجريدي-نظري والآخر تجريبي؟

انطلاقا من المعطيات السالفة الذكر، يمكن القول إن منطوق القولة يحيلنا إلى أطروحة أعادت الاعتبار لمفهوم الفرضية العقلية، بحيث لم تعد هذه الأخيرة مجرد تفسير ينتظر من التجربة الحسم في صحته، بل أصبح لصيقا بالنظرية؛ هذا ما دفع العالم الفيزيائي الأمريكي الجنسية، ألبير إينشتاينAlbert Einstein (1897- 1955)، إلى مساءلة الاتجاه الاختباري بقوله: "إن كانت التجربة في بداية معرفتنا للواقع وفي نهايتها، فأي دور يتبقى للعقل في العلم؟" ويجيب عن هذا التساؤل الاستنكاري بقوله: "إن العقل يمنح النسق الفيزيائي بنيته، أما معطيات التجربة وعلاقتها المتبادلة، فيجب أن تطابق نتائج النظرية". هذه القولة توضح أن الـتجربة يمكـن أن تـرشدنا فـي اختيار المفاهيم الرياضية التي سنستعملها، إلا أنها لا يمكن أن تكون هي المنبع الذي تصدر عنه تلك المفاهيم، وإن بقيت حقا معيار المنفعة الوحيد بالنسبة للفيزياء على الرغم من الطابع الرياضي لبنائها؛ فإن المبدأ الخلاق الحقيقي يوجد في الرياضيات. بهذا القول يكون إينشتاين قد تجاوز تلك النظرة التجريبية الضيقة للعلم كما يتم اعتمادها بالنسبة للتجريبيين والوضعيين. على هذا الأساس صارت النظرية إبداعا حرا للعقل الرياضي الأكسيومي، وهي غير مشروطة كما قد يظهر بالواقع الخارجي، إذ هناك مسافة بين النظريات العلمية والواقع؛ فكم استغرقت البشرية من الوقت، بعد وفاة ألبير أينشتاين الذي أكد في نظريته أن الزمان نسبي يتغير كلما ابتعدنا أو اقتربنا من مركز الجاذبية، من التحقق من صحة نظريته من خلال اختراع ساعة ذرية تتغير سرعة دوران عقاربها حسب الاقتراب أو الابتعاد من مركز الجاذبية. وهكذا عارض إينشتاين النزعة التجريبية، مساهما في بناء عقلانية معاصرة، فهو على عكس التجريبيين لا يدعو إلى مطابقة النظرية للواقع، بل يؤكد على مطابقة النتائج التجريبية لنتائج النظرية.

إن هذا القول المؤيد لدور العقل وابتكاراته المتخيلة، يمكن أن نجد له تفسيرا في الوضع العلمي الراهن، سواء على مستوى الرياضيات أو الفيزياء وغيرها من العلوم، حيث أصبح للفرض العلمي دور أساسي في بناء النظرية العلمية، ويتجلى هذا الأمر في ذلك الاهتمام الذي توليه هذه العلوم للصياغة الأكسيومية Axiomatique لنظرياتها، صياغة لم تعد تهتم بمدى مطابقة رموزها الرياضية المختارة بشكل حر مع ما يجري في الواقع الحسي التجريبي، بل أصبح المطلوب هو انسجام العَالم وعدم تناقض النتائج التي يتوصل إليها مع الأوليات Axiomes التي ينطلق منها؛ إلا أن هذا لا يعني إقصاء التجربة من كل بحث علمي، بل إعطاؤها معنى جديدا يتماشى مع التطور الذي عرفه العلم على جميع مستوياته النظرية والعملية، بحيث أصبح موضوع العلم، لا يعطى في التجربة الحسية المباشرة بقدر ما يبنى عقليا؛ فالكون الماكرو-فيزيائي Macrophysique باعتباره واقعا، هو بدرجة هائلة من الكبر والإتساع يعجز معه العلم -بأدواته وتقنياته المتطورة- الإحاطة به في شموليته ومنظوميته، كما أن عالم الذرة اللامتناهي في الصغرMicrophysique قد برهن هو أيضا على صعوبة التقيد بالتجربة بمعناها التقليدي المختبري.

        فإذا كان أينشتاين قد ركز على أهمية العقل في اختيار المفاهيم الفيزيائية وبنائها رياضيا، فهذا لا يعني أن التجربة قد انتهت صلاحيتها العلمية خاصة حينما ترتبط بمفهوم التجريب، لاعتبارات متعددة تكشف عن خصوصية كل موضوع على حدة؛ وفي هذا السياق يمكن الحديث عن تصور ألكسندر كويري الذي ينطلق من أطروحة مفادها أن التجربة الخام والملاحظة العامية لم تلعب أي دور في نشأة العلم الكلاسيكي إلا دور العائق، في حين أن التجريب -كمساءلة منهجية للطبيعة- هو عملية منهجية  موجهة بأسئلة وفروض ونظرية تحيط بمختلف شروط  إنجاز التجربة العلمية. على هذا الأساس يتضح أنه لا يمكن -حسب كويريkoyré- تصور تجريب علمي دون الانطلاق من تأطيرات نظرية مسبقة.

        يلاحظ أن كويري في سياق اهتمامه بدراسة تاريخ الفكر الفلسفي والعلمي دخل في تجربة مهمة، عمل فيها على التمييز بين العقلانية الأرسطية والعقلانية الكلاسيكية والحديثة، ثم العقلانية العلمية التجريبية؛ ويركز من خلال هذا التمييز على الدور الذي لعبه تجاوز فكرة الكوسموس بإضفاء الصفة الهندسية على المكان؛ بمعنى آخر، ينتقد كويري كلا من الميتافيزيقا والفيزياء الأرسطيتين اللتان كانتا تنطلقان من تقسيم العالم إلى قسمين، عالم فوق قمري وعالم تحت قمري، في تفسيرهما لمختلف القضايا الفيزيائية والميتافيزيقية من منظور تراتبي تحكمه فكرة تناهي العالم وتراتبية العلل (المحرك الأول أو علة العلل)؛ ليؤكد على أهمية تميز الموقف الذهني للعلم الكلاسيكي، حينما وضع قطيعة مع العلم القديم، واستبدل مفهوم المكان المجرد للهندسة الكلاسيكية، بمفهوم المكان الملموس في الفيزياء ما قبل غاليلي.

إن كل التصورات التي دافعت على قدرة العقل بمبادئه القبلية والكلية والفطرية في إدراك الحقائق في صيغتها المطلقة، سيعتبرها رائد الاتجاه الوضعي وعالم الكيمياء الفرنسي بيير دوهيم تصورات دوغمائية لا علاقة لها بالواقع، خاصة وأنها غير كافية لتجعل العقل البشري هو المؤسس الفعلي والوحيد لكل نظرية علمية. على هذا الأساس سيعتبر دوهيم أن المعطيات الحسية الأمبريقية (التجريبية) أكثر ارتباطا بالواقع، وبالتالي فإن التجربة هي أكثر المعايير ملاءمة لتحديد علمية النظريات، وأن دور العقل ينحصر في مستوى تركيب القوانين المستخلصة من الواقعة التجريبية، خاصة وأن وظيفة النظرية العلمية تتوقف على مدى قدرتها في جمع شتات النتائج والقوانين وتمثيلها وتنظيمها وفق مبادئ وفرضيات، مع ضرورة تطابق هذه الأخيرة مع الواقع التجريبي. أما حينما تحتكم النظرية الفيزيائية إلى التفسير الافتراضي للواقع دون أن تمثل القوانين التجريبية المتناسبة مع الخصائص الـفيزيائية للأجسام، فإنها تبقى نظريات خاطئة لا علاقة لها بالواقع وتتطلب تعديلها أو رفضها بشكل نهائي.

  خلاصة ما يمكن استنتاجه انطلاقا من عناصر التحليل والمناقشة، هو أنه لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي تلعبه التجربة في بناء النظريات والقوانين والمبادئ والمناهج، كما لا يمكن كذلك إنكار مساهمة العقل في نشأة وتقدم العلوم من جهة، ودوره في تفسير مختلف ظواهر الكون وسبر أغوارها من جهة أخرى، ليحقق الإنسان بذلك طفرات وقفزات ونكبات وثورات علمية غيرت من مسارات ومظاهر وجوده على الأرض. فالنظرية، باعتبارها نسقا من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ، ليست غايتها أن تمثل وبصورة دقيقة مجموعة من القوانين التجريبية؛ لكن إذا ما اعتبرنا التجربة تحققا من فرضيات نظرية ما، فإنها بهذا المعنى البسيط لا يمكن أن تكون منبعا للنظرية العلمية. لذلك فإن ما يضفي على نظرية ما طابعها العلمي القوي هو تماسك وانسجام نتائجها مع بنائها الأكسيومي، كما أن التشبث بمعيار العلمية كمبدأ إبستمولوجي لا يعني فرض صورة نمطية على علمية مفترضة، كما لا يعني كذلك فرض حقيقة مطلقة حتى ولو كانت علمية.

على هذا الأساس فإنني أعتقد أنه لكل من العقل والتجربة مـوقع ووظيفة لا يمكن تجاوزهما، فالأول يمنح المعرفة العلمية تناسقها وانسجامها، والثانية تسمح بتحقيق نوع من التناسب مع ما تم استنتاجه؛ كما أن العقل يبقى في علاقة جدلية مستمرة مع التجربة، وبتنظيمه لها يتخلى عن البنية الكلاسيكية القائمة على القواعد الثابتة والمقولات القبلية؛ فالعقل لم يعد تقليديا، والتجربة بدورها لم تعد كما تتصورها النزعة الاختبارية، إذ لا تعارض اليوم بين العقل والتجربة، بين الوصف والتفسير والتنبؤ، بل بفضل الجمع بين المكونين، استطاع العلم أن يواصل تقدمه بشكل أكثر ثباتا ومعقولية. وخير ما يمكن أن نختم به موضوعنا هو قولة رائد الفلسفة النقدية إمانويل كانط: "الحدوس الحسية بدون مقولات عقلية تبقى مجرد مادة عمياء، والمقولات العقلية بدون حدوس حسية تبقى مجرد مقولات جوفاء".

Partager cet article

Published by مـــحـــب للــحــكــمــة
commenter cet article

commentaires

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

  • : عبد الكريم بوهو
  • عبد الكريم بوهو
  • : الدرس الفلسفي
  • Contact

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

بــــــــحـــــــــث

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد