Overblog
Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
31 mai 2014 6 31 /05 /mai /2014 22:02

مــــجـــزوءة الأخـــــلاق

الـــســـعــــادة

 

:تقديم للمفهوم

 

لقد أجمع الفلاسفة على أن الخير الأسمى الذي ظل الإنسان يبحث عنه هو إسعاد النفس، إلا أن الإشكال الذي يطرح في هذا السياق يرتبط باختلاف الناس في تمثلهم للسعادة بين من يربطها بما هو مادي، ومن يحصرون دلالتها بماهية النفس وملكاتها، كسعادة النفس والعقل؛ بالإضافة إلى الفلاسفة الطبيعيين الذين اعتبروا الإنسان نفسا وجسدا؛ وبالتالي فإن تحقق سعادة النفس لا يكتمل إلا إذا اقترنت بسعادة البدن.

       يبدو أن مفهوم السعادة تتداخل فيه دلالات متباينة، وتتقاطع فيه حقول معرفية مختلفة بيولوجية وسيكولوجية وميتافيزيقية وسوسيو-اقتصادية وسياسية؛ إنه مفهوم يتاخم مجموعة من المفاهيم الفلسفية الأساسية مثل الواجب والحرية والفضيلة.

على هذا الأساس فهل للسعادة مدلول واحد، أم أنها متعددة الدلالات، تتباين وتختلف معايير تمثلها؟ وبأي شكل تكون السعادة ممكنة؟ وما سبيل تحقيقها وتحصيلها؟ هل السعادة كشعور وكخير أسمى، منفصلة عن الواجب والحرية في أبعادهما المتعددة، أم أن علاقتهما تعكس تكاملا وتمفصلا كبيرين؟

 

المحور الأول: تمثلات السعادة

ما السعادة؟ هل هي مادية ترتبط بكل ما يحقق الحاجيات المادية، أم أنها عقلية ترتبط بكل ما يحقق اللذة العقلية، أو بعبارة أخرى نتساءل، هل يتمثل الإنسان السعادة بطريقة واحدة، أم أن تمثلها يختلف باختلاف طبيعة السعادة نفسها؟

تحليل نص للفيلسوف العربي أبو نصر الفارابي، ص. 200 كتاب في منار

موضوع النص: يحدد هذا النص الأسس الجوهرية التي تنبني عليها دلالات مفهوم السعادة، وكذا السبل التي تمكن الإنسان من تحصيلها.

الأسئلة الضمنية المؤطرة للنص: ما السبيل إلى تحصيل السعادة؟ وبأي معنى تعتبر السعادة غاية يتشوقها كل إنسان؟ وكيف ترتبط السعادة بالمعرفة والعمل؟

أطروحة النص: السعادة أجدى وأعظم الخيرات التي يتشوقها كل إنسان، فهي أسمى ما يطلب لذاته لا لغيره، وليس من الممكن تحصيلها بالفطرة لأنها تحتاج إلى المعرفة والعمل بكل ما يحقق السعادة.

أطروحة النص: السعادة أجدى وأعظم الخيرات التي يتشوقها كل إنسان، فهي أسمى ما يطلب لذاته لا لغيره، وليس من الممكن تحصيلها بالفطرة لأنها تحتاج إلى المعرفة والعمل بكل ما يحقق السعادة.

:تحليل وتفكيك عناصر الأطروحة- 

يلزم كل من آثر السعادة باعتبارها نهاية الكمال الإنساني أن يكون له السبيل من المعرفة والعمل بالأمور التي يها يمكن الوصول إليها؛ فكل كيف يعتقد ويتمثل السعادة التي يظن أنها وحدها ما يمكن أن يحقق بها سعادته، إلا أنه بالرغم من ذلك تظل السعادة دائما وأبدا هي آثر الخيرات وأكملها، مكتفية بذاتها، إذا حصلت للإنسان فلن يسعى بعدها إلى غاية أخرى غيرها.

       يمكن للإنسان -حسب الفارابي- أن ينال السعادة بالأفعال والأحوال التي يلحقه بها حمد؛ من هذه الأحوال أن السعادة تنال بالأفعال الجميلة متى صدرت عن الإنسان بطواعية واختيار، ليس في بعض الأشياء فقط، أو في زمان دون آخر، بل أن بختار الجميل في كل ما يفعله وفي زمان حياته بأسره.

مطلب المناقشة: استثمار تصور ابن مسكويه؛ الكتاب المدرسي مباهج، ص. 193

هاجم ابن مسكويه بقوة كل أولئك الذين حصروا السعادة في اللذة البدنية، فاعتبرهم من عامة الناس الجهلة، لأنهم جعلوا النفس الشريفة كالأجير المستعمل لخدمة النفس الشهوانية. ولأن الجسد لا يمكنه أن يكون داعيا إلى الفضيلة، فإن الداعين إلى السعادة استنادا إلى الجسد ظلوا عند مستوى "البهيمية"؛ وفي مقابل ذلك يشرف مسكويه اللذة العقلية ويعلي من شأنها إلى درجة القداسة أحيانا، فهي لذة تامة وشريفة لا تمل، يختص بها الإنسان وحده دون غيره من الكائنات.

استنتاج وتركيب:

إن الوقوف عند تمثلات السعادة كموضوع فلسفي إشكالي، يجعلنا نقر بأن تفضيل اللذة العقلية سيجعل من السعادة خيرا مطلقا يطلب لذاته كغاية نؤثرها لا لشيء غيرها؛ إنها -بتعبير أرسطو- الخير الأسمى والغاية القصوى للكمال الإنساني، كمال يتحقق بفضل التأمل العقلي. على هذا الأساس يمكن اعتبار السعادة -من حيث دلالتها الفلسفية والأخلاقية- مفهوما تجاوز وخرج عن مجال التمثلات الشائعة التي تعتبره معطى في التجربة الحسية المشروطة والمتغيرة.

المحور الثاني: البحث عن السعادة

مطلب التحليل: استثمار تصور الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس

موضوع النص: يحدد هذا النص بعض الخصائص الجوهرية المميزة لمفهوم السعادة، مع الوقوف عند أهم السبل التي تمكن الإنسان من بلوغها.

الأسئلة الضمنية المؤطرة للنص: بأي معنى تطلب السعادة لذاتها؟ ولا تطلب من أجل غاية أخرى؟ وما العلاقة التي يمكن إقامتها بين السعادة والأفعال العاقلة المميزة للنفس البشرية؟

أطروحة النص: لا تتحقق السعادة إلا في إطار الفضيلة باعتبارها غاية في ذاتها، وكل ما عداها ليس سوى وسيلة لتحقيقها، وهي مكتفية بذاتها ترتبط بالتأمل العقلي أو ما يسميه أرسطو بالنفس العاقلة التي تحرص في سلوكاتها على المطابقة بين الفعل والفضيلة.

       إن السعادة هي نشاط يطابق الفضيلة باعتبارها الجزء الأكبر والأكثر سموا في الإنسان، إنه النشاط الذي يعتبر في عمقه تأمليا يحتل فيه العقل مرتبة أساسية. فإذا كانت السعادة تقوم على تحقيق المتعة، فإن أكبر متعة يمكن أن يحسها الإنسان هي الحكمة الكامنة في المعرفة.

مطلب المناقشة: إعادة استثمار تصور أبو نصر الفارابي (أنظر المحور الأول)

استنتاج وتركيب:

تعتبر السعادة بمثابة خير مطلق، مثلما هي كذلك السبل المؤدية إلى تحصيلها، في حين أن كل ما يعوق تحقيقها يعتبر شرا مطلقا. تقوم السعادة على أساس القوة الناطقة (أي العاقلة)، تعمل باقي القوى الأخرى على اشتياقها وإيثارها؛ كما لا يمكن أن تتحقق السعادة إلا عندما تخضع كل من النفس المتخيلة والنفس الحساسة للنفس العاقلة منقادة لها.

       عموما يمكن القول، إن الخيار العقلاني والاجتماعي هو طريقة تحصيل السعادة، حيث إن سعادة الفرد مشروطة بسعادة المجتمع، إذ لا يمكن للإنسان أبدا أن يبلغ سعادته طالما اقتصر على مجهوده الفردي؛ إذ لابد له من سند وإطار يدعم سلوكاته ويجعلها تستجيب لنداء الواجب بما يحمله من دلالات الفضيلة والخير الأسمى.

المحور الثالث: السعادة والواجب

ما طبيعة العلاقة التي يمكن أن نستشفها بين السعادة والواجب؟ وإلى أي يمكن اعتبارا الواجب مدخلا أساسيا لتحصيل السعادة؟

مطلب التحليل: نص للفيلسوف إميل شارتيي(ألان)، الكتاب المدرسي منار، ص. 209.

موضوع النص: يحدد إميل شارتيي في هذا النص بعض الطرق التي يجب أن يلتزم بها الفرد لاكتساب فن الحياة السعيدة.

الأسئلة الضمنية المؤطرة للنص: بأي معنى يعتبر ألان السعادة فن الحياة، وليست مجرد دفع للعناء والشقاء؟ وإلى أي حد يمكن القول إن التزام الشخص بما يحقق له السعادة إحساس يرتبط بسعادة الآخرين؟

أطروحة النص وأبعادها:

لا تعتبر السعادة مجرد دفع للعناء والشقاء، بل اكتساب وتعلم لفن الحياة السعيدة التي لا يجب فيها على الإنسان الاستسلام للعوائق دون مقاومة؛ وعلى كل فرد أن يدرك أن سعادته لا تنفصل عن واجب الالتزام بإسعاد الآخرين؛ فالناس لا يحبون رؤية الشقاء يحيط بهم، لذلك وجب على كل من يصبو إلى تحصيل السعادة أن يتجنب كثرة الشكاوى وسرد الأحزان على الغير، خاصة وأن أسباب بلوغ السعادة غالبا ما تكون مكروهة، تجعلها لا تحصل إلا بعد جهد ومعاناة في صورة جزاء ومكافأة.

مطلب المناقشة: استثمار تصور الفيلسوف الألماني إمانويل كانط

من الواجب على كل إنسان أن يسعى إلى ضمان سعادته، ذلك أن غياب السعادة قد يساعد على خرق الواجب؛ وعلى العكس من ذلك نجد أن تحقيقها يؤدي ويشجع على الالتزام بالواجب. وإذا كانت السعادة هي ذلك الميل المشترك بين الناس لتحقيق ما يرغبون فيه أو ما يميلون إليه، فإن تلك الرغبات والميولات لا يمكنها أن تشكل أساسا للسعادة، ذلك لأن القانون الأخلاقي وحده، هو ما يشكل ذلك الأساس؛ لتصبح السعادة مؤسسة على الواجب وليس العكس.

استنتاج وتركيب:

خلاصة ما يمكن استنتاجه في هذا المحور، هو أن مفهوم السعادة يحيل في طبيعته إلى دلالات ومعان فاضلة ونبيلة ترتبط أشد الارتباط بالواجب في أبعاده الأخلاقية والتفاعلية، إذ لا يمكن للسعادة كإحساس أن تكتمل إلا بوجود الغير الذي نتقاسم معه بعضا من ذلك الإحساس، ونجنبه في الوقت نفسه كل ما يمكن أن يحد أو ينقص من سعادته؛ فحينما نكون محاطين بأناس أشقياء، يجعلنا ذلك عاجزين على التعبير عن سعادتنا حتى لا نزيد من شقائهم، ما دامت  النفوس الخبيثة هي من تستمتع بآلام الآخرين. على هذا الأساس تصبح السعادة قيمة أخلاقية توجه تصرفات الإنسان في علاقته بذاته وبالآخرين كذلك. 

Published by مـــحـــب للــحــكــمــة - dans مـجــزوءة الأخـــلاق
commenter cet article
25 mai 2011 3 25 /05 /mai /2011 19:10

مـجـزوءة الأخـــلاق

الـــحــريــــة

 

تقديم للمفهوم:                                         من إنجاز الأستاذ: عبد الكريم بوهو

 

       إذا كانت الحرية تدرك كنقيض لكل حتمية أو إكراه داخلي أو خارجي يمكن أن يرتبط بمكامن الشخصية، أو يرتبط بالإشراطات الأخلاقية والسوسيو  -ثقافية، فإن التأمل الفلسفي في مفهوم الحرية باعتبارها تعبير عن إرادة الفرد، يجعلنا نميز بين الحرية من حيث هي فكرة منطقية، والحرية كفعل عملي يمارسه الإنسان في الواقع الذي بينت مختلف الدراسات السوسيولوجية أنه واقع تتراكم فيه الحتميات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي تحد أو   -على الأقل  -   تجعل حرية الفرد مشروطة ومحدودة. وبالنظر إلى كل هذه الاعتبارات، فلا ريب أن يصير الحديث عن الإرادة والحرية الإنسانية موضوعا يطرح عدة تساؤلات.

- فهل لفظ الحرية مفهوم واضح الدلالات؟ أم أن دلالاتها جد مركبة ومتعددة الأبعاد بالنظر إلى ارتباطها بالواجب الأخلاقي؟

- من أين تستمد الحرية مشروعيتها؟ هل تستمدها من إرادتنا، أم من قواعد وقوانين خارجة عنا؟ أليست الحرية أو الحريات في حاجة إلى ما يقننها خارجيا؟ أم أنها انبثاق تلقائي لا يخضع إلا لذاته؟

 

المحور الأول: الحرية والحتمية

       من الواضح أن الشعور علامة أولى على استقلال إرادتنا، فالشعور بالحرية ملازم للشعور بالشخصية، فالإنسان يشعر بالحرية ويعتقد بها، ما دام يعي أسباب أفعاله وهو مسؤول عنها؛ إلا أن شهادة الشعور بالحرية غير كافية لإثبات وجود الحرية المطلقة، فأحيانا لا ندري هل نتصرف بحرية أم أننا نخضع لإكراهات خفية ورغبات لاشعورية.

       على هذا الأساس، فهل تتعارض الحرية مع الحتمية؟ أم أن الوعي بالحتميات التي يخضع لها الإنسان هي أساس الحرية؟ أو بعبارة أخرى، هل يمكن أن نتحدث عن حرية مطلقة غير مشروطة؟

تحليل تصور الفيلسوف العربي بن رشد

       لا يمكن فهم المتن الفلسفي الرشدي عامة، وما يرتبط منه بالإشكالية قيد التحليل، إلا من خلال استحضار الصراع الذي كان قائما بين المتكلمين (أشاعرة ومعتزلة)، بين من كان يأخذ بالجبرية Fatalisme   القائلة بالقضاء والقدر، ومن كان يعتقد بحرية الإرادة الإنسانية؛ في هذا السياق يمكن اعتبار أطروحة بن رشد تعبيرا عن تصور توفيقي، إذ لا يمكن القول بحرية الإنسان المطلقة، كما لا يمكن كذلك نزعها منه بشكل مطلق، فهو حر في أشياء ومجبر ومكره في أشياء أخرى.

       إن الإنسان حر من حيث إنه يمتلك الاستطاعة والقدرة على إتيان فعل ما كيفما كان نوعه، يمكنه أن يأتي فعل خير بنفس قدر الحرية التي تسمح له بأن يأتي فعل شر، وهو بهذا المعنى حر في اختيار أفعاله؛ لكن ما ينبغي التنبيه إليه هو أن هذه الاستطاعة أو القدرة التي يتميز بها الإنسان، ترجع علتها إلى الله الذي وهبنا إياها. على هذا الأساس يمكن القول إن الإنسان خلق مجبرا ومكرها على أن يكون حرا، وحريته مشروطة بمحدودية قدراته البدنية وقوانين الطبيعة الإلهية.

       من هذا المنطلق يبدو أن بن رشد قد سعى إلى موقعة الفعل الإنساني بين الحرية والحتمية من خلال توفيقه بين الحرية في اختيار الفعل والقدرة الإلهية في إتيانه.

تحليل تصور باروخ سبينوزا (1632-1677)

       يرى سبينوزا أن كل ما يحدث في الوجود يرجع إلى علة ضرورية في ذاتها هي الله. فالإنسان بيد الذات الإلهية يخضع بالضرورة لقوانين طبيعته التي تخضع بدورها للطبيعة الإلهية المطلقة. ومن العبث   -في نظر سبينوزا  -   أن يعتقد الناس بوجود الحرية، لأن شعورنا بالحرية ليس إلا وهما ناشئا عن تخيلنا بأننا أحرار، وعن جهلنا بالأسباب الحقيقية التي تسيرنا كما تسير الرياح أمواج البحر؛ فالإنسان كالحجر المتساقط، يعتقد عن جهل أنه يسقط بحرية، وأنه هو علة حركته، في حين أن الحقيقة هي أنه ثمة قوة خارجية هي التي تدفع الصخرة إلى التدحرج.

       خلاصة القول هي أن الإنسان   -حسب سبينوزا  -   كائن متناه ومسير وفق قوانين ضرورية وثابتة كالقوانين الرياضية، تتحكم في وجوده بالنظر إلى ماهيته غير التامة تحتاج بشكل مطلق إلى قوة خارجية لتقوم بوظائفها وانفعالاتها لأنها لا تمتلك علة أفعالها.

 

استنتاج وتركيب:

       خلاصة ما يمكن استنتاجه في هذا المحور، هو أننا نستطيع أن نضع الحرية في مكانها الصحيح فننقذها من النفي المطلق والإثبات الوثوقي، إذ لا سبيل إلى تحقيق أية حرية بوجود جبرية قاسية أو ضرورة عمياء وحتمية مطلقة؛ ومع ذلك لا تتحقق أية حرية إلا إذا عرف الإنسان الضرورة الطبيعية معرفة علمية، واستطاع تجاوز الحتميات التي تعترض أفعاله. إن الحرية الحقيقية ليست مطلقة ولا عطاء كريما من الطبيعة، بل هي محدودة بكثير من العوائق والحتميات التي تميز الوجود الإنساني وتعطي لحريته معان ودلالات لا متناهية.

 

المحور الثاني: حرية الإرادة

       لا ريب أن بعض الناس يعتقدون في معيشهم اليومي أنهم أحرار فيما يريدون القيام به أو يمتنعون عنه، والبعض الآخر يرى أنه لا حرية لإرادته في رسم تجربته الوجودية إلا في حدود ضئيلة جدا، كل هذه المفارقات تدفعنا إلى التساؤل: أحقا أن إرادة الإنسان مقيدة؟ أم أنه لا حديث عن الإنسان إلا حينما يتميز بحرية الإرادة؟

تحليل تصور الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه

       يشير نيتشه في كتابه "جينيالوجيا الأخلاق" إلى العائق الذي جعل البشرية لا تتمتع بقيم الحياة بالنظر إلى طبيعة التصورات التي راكمتها التجربة الإنسانية حول مفهومي الخير والشر من خلال ما يسميه بـ:"المثل الزهدي" الذي أفرغ الوجود البشري من إنسانيته، أو كما يسميه نيتشه بذلك "الإنسان الحيوان" الذي ظل يجري ويعبد غايات وهمية؛ "عن التنوع في معنى المثل الزهدي لدى الإنسان تنجم السمة الأساسية للإرادة الإنسانية، أي فزعها من الفراغ، لابد لهذا المثل من غاية، وهو يفضل أن يريد اللاشيء على عدم إرادة أي شيء"[1].

       إننا ونحن نتحدث عن العلاقة بين الحرية والإرادة من منظور فيلسوف الحياة فريدريك نيتشه، يتأكد لنا أن الإنسان لم يكن له حتى الآن أي معنى، لم يحدد لنفسه هدفا دقيقا وحقيقيا، بل أكثر من ذلك كانت تنقصه الإرادة على أن يكون إنسانا لاعتبارات متعددة من بين أهمها أنه لا يستطيع أن يكون شجاعا وهو يستعمل حواسه وعقله بما يسمح له بتحديد معناه وإدراك إنسانيته[2].

تحليل تصور الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر

       لقد انطلقت الفلسفة الوجودية في إطار تعارضها مع الفلسفة العقلانية من فكرة جوهرية مفادها أن الوجود سابق على الماهية ولا يمكن أن يحصل العكس؛ بهذا المعنى يمكن أن نقارب إشكالية حرية الإرادة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان يعيش تجربة وجودية متميزة هي التي تحدد ماهيته الوجودية، أو بعبارة أخرى يمكن القول إن إرادة الإنسان حرة من حيث الاختيار، فالإنسان يريد أن يكون هكذا ويختار هذا دون ذاك، ولكن لا يمكن اعتبار حريته مطلقة، لأن كل ما تختاره الذات لنفسها، تكون مسؤولة فيه تجاه البشرية جمعاء. على هذا الأساس تتجاذب إرادة الذات وإرادة الإنسانية من حيث كون الذات مسؤولة عن الناس أجمعين؛ وبالتالي يمكن القول إن الإنسان يتميز بإرادة حرة لكنها مسؤولة عن كل ما يصدر عنها من أفعال؛ فالإرادة الحرة إذن، تجربة وجود مسؤولة.

استنتاج وتركيب:

       إن الحديث عن حرية الإرادة لا يمكن أن يكون له أي معنى إلا حينما يوضع هذا المفهوم في أحضان الالتزامات الأخلاقية في أبعادها المتعددة، فالحتميات والإكراهات التي تحد من حرية الإنسان، هي في الحقيقة ما يضمن للإنسان وجوده المتميز، إذ لا حرية بدون إلتزامات وإكراهات أخلاقية، تجعل الفرد وهو يستجيب لنداء الواجب الأخلاقي، يصرخ عاليا فيقول "أنا الكائن الذي من مقوماته الإرادة والحرية".

 

المحور الثالث: الحرية والقانون

إذا كان اسبينوزا قد اعتبر الحرية هي الغاية الأساسية من قيام الدولة والمجتمعات السياسية، فإنه لا يمكن تحديد مفهوم الحرية من حيث كونها ممارسة لا يمكن أن تنفصل عن مفهوم القانون كإطار ينظمها ويقننها؛ على هذا الأساس هل يمكن إذن أن نفصل بين الحرية والقانون؟ وإلى أي حد يمكن القول بأن الحرية تتعارض مع القانون؟ ثم بأي معنى تعتبر إلزامية القانون تقييدا للحرية؟

تحليل تصور الفيلسوف مونتسكيو

يحاول مونتسكيو من خلال كتابه "روح القوانين" وبالضبط فيما يرتبط بالإشكالية قيد التحليل والمناقشة، الإجابة عن السؤال: لماذا يعتبر تقييد الحرية بالقانون أمرا ضروريا في ظل نظام الدولة؟

       يحدد مونتسكيو العلاقة التي يمكن ربطها بين الحرية والقانون في الأنظمة السياسية المختلفة، مؤكدا أن الحرية لا تعني أن يفعل المرء ما يريد، بل أن يتصرف وفق ما تسمح به القوانين من أفعال داخل المجتمع؛ هذه القوانين هي وحدها التي يمكن أن تضمن حرية الإنسان من خلال الحد من سلطة ما بسلطة أخرى.

       إن الحرية في التنظيم المدني القائم على التعاقد الاجتماعي والقوانين التشريعية للدولة، هي حرية قانونية تضبطها قواعد تشريعية تعبر عن الإرادة العامة التي تلزم كل الأفراد بمعايير وضوابط تضفي على أفعالهم طابع القانونية والمشروعية؛ بذلك تكون القوانين   -بالنسبة لمونتسكيو  -   هي المحددة لطبيعة الحرية والضامنة لها في الآن نفسه.

مطلب المناقشة: استثمار نص للمفكر المغربي عبد الله العروي

       يعتبر عبد الله العروي الحرية مجالا للتحول والتغير المستمرين، حيث لا يمكن لدلالاتها أن تكون ثابتة وكونية؛ فالحرية بما هي مجموع الحقوق المعترف بها للفرد، فإنها تختلف بشكل كبير بين دولة وأخرى، كما أنها مرتبطة بمستوى تقدم المجتمع والطبقة التي ينتمي إليها كل فرد. كما يعتبر العروي الحرية مجالا للصراع الذي قد تنتج عنه زيادة أو نقصان للحقوق المادية التي تعتبر وسيلة لتحقيق الحرية.

استنتاج وتركيب:

       إذا اعتبرنا الإنسان كائنا أخلاقيا، فإن مبدأ الخلقية يشترط القول باجتماعية الكائن البشري، أي بالنظر إليه بوصفه كائنا مدنيا تحكمه قوانين موضوعية؛ كما يشترط القول بالحرية الذاتية التي تجعل منه كائنا قادرا على اختيار السلوك الذي يراه مناسبا للقيم التي يحملها أو التي يكونها، ومن ثم فإن الحرية بهذا المعنى تجعل الإنسان مسؤولا عن كل ما يصدر عنه من أفعال من حيث مطابقتها أو مخالفتها للقانون الذي يحد من حرية الفرد المطلقة حتى يوجهها إلى ما تصبو كل دولة إلى تحقيقه.

خلاصة عامة لمجزوءة الأخلاق:

       تخترق إشكاليتي الإلزام والالتزام، الضرورة والحرية، مجزوءة الأخلاق بشكل كبير جدا، بحيث تعبر صيغة الإلزام عن أداء فعل أو سلوك متطابق مع مبدأ أو قناعة توجب الطاعة عبر إكراه تمارسه دوافع داخلية نابعة من خصوصيات الإرادة الإنسانية، قد يعبر عن اختيار أخلاقي أو صراع داخل البنية النفسية؛ في حين تفيد صيغة الإلتزام، إحساس ووعي المرء بالمسؤولية تجاه كل ما يجري حول الإنسان؛ إن الإلتزام هو مبدأ أخلاقي يريد الفرد من خلاله أن يلائم بين فعله العملي وقناعاته الذاتية مهما كانت النتائج والأخطار المترتبة عنه، خاصة إذا كان ذلك الفعل استجابة لنداء الواجب الذي يتماثل إلى حد كبير مع حرية وسعادة الغير.

 

أنا الـتـوازن بين من جاءوا ومن ذهبـوا               أنا التوازن بين من سلبوا ومن سلبوا

أنا التوازن بين من صمدوا ومن هربوا               وأنــا الــتـــوازن بـــيــن مـا يـــجـب

يــجــــب الـــذهـــاب إلــى الـــيـــســار               يـــجـــب الـــتـــوغــل فـــي الــيمين

يــجــــب الــتـمـتــرس فـــي الــــوسط                يـــجـــب الـــدفـــاع عـــن الـــغــلـط

يــجــــب الـــتــشــكــيـــك بــالـــمـسـار               يـــجـــب الــــخـــروج مــن الــيـقـين

                   يـــجـــب الـــذي يـــجـــب

محمود درويش، الأعمال الشعرية الكاملة، دار الحرية للطباعة والنشر، بغداد، 2000، ص. 321.



[1]   - فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق-المغرب 2006، ص. 87.

[2]   - المرجع نفسه، ص. 141.

Published by مـــحـــب للــحــكــمــة - dans مـجــزوءة الأخـــلاق
commenter cet article
13 mai 2011 5 13 /05 /mai /2011 01:13

مـجـزوءة الأخـــلاق

الــــواجــــب

 

تقديم للمفهوم:

       يشكل الواجب أمرا أخلاقيا ملزما لكل الناس بما ينبغي عليهم القيام به، إلا أن ما يجب على الإنسان قد يقوم به بشكل حر وإرادي ملتزما بأدائه، وواعيا بما سيحققه من نفع لنفسه ولغيره، كما قد تتدخل سلطة خارجية ما تلزمه وتكرهه على الخضوع للواجب بدلالاته الواسعة، بالنظر إلى الأبعاد النفسية والسوسيو  -ثقافية والسياسية والاقتصادية التي تطبع هذا الواجب لارتباطه   كفعل  -   بالبنى الاجتماعية والمؤسساتية والقيمية؛ كما أن احترام الواجب يتطلب نوعا من الوعي الأخلاقي سواء كان هذا الوعي فطريا أو مكتسبا.

       إذا كان مفهوم الواجب إذن، يدل على ما ينبغي القيام به، فإن هذه الإلزامية تطرح إشكالات ترتبط بعلاقة الواجب بالحرية والإرادة من جهة، وبشروط الوعي الأخلاقي وما وما يمارسه من سلطة القهر من جهة أخرى، بالإضافة إلى ارتباط الواجب بسلطة المجتمع أيضا.

المحور الأول: الواجب والإكراه

-         هل يصدر الواجب كأمر أخلاقي، عن إرادة الإنسان الحرة؟ أم أنه فعل خاضع للضرورة والإكراه؟

تحليل تصور الفيلسوف الألماني إمانويل كانط (1724-1804)

ينقسم الأمر الأخلاقي المؤسس على العقل إلى أوامر أخلاقية شرطية تتوخى بلوغ مقاصد ونتائج معينة، وأوامر أخلاقية قطعية غير مشروطة بأي ميول أو نتائج؛ والواجب الأخلاقي   -   حسب كانط   - أمر قطعي يصدر عن سلطة العقل والإرادة الحرة الخيرة التي لا تخضع للإشراطات الخارجية والميولات الذاتية بشكل يجعل الواجب إكراها ذاتيا حرا، تلعب فيه الذات دور تشريع القاعدة الأخلاقية انطلاقا من الأوامر القطعية المؤسسة على العقل، والتي تستدعي التصرف وفق قانون كوني تشرعه الذات الفاعلة في تعاملها مع ذاتها ومع الآخرين - دائما وأبدا- كغاية لا كمجرد وسيلة لبلوغ أهداف أخرى.

تحليل تصور الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم (1711-1776)

يرى هيوم أن الأخلاق لا تنبع من العقل، بل تنبع من الشعور؛ فالعقل وحده غير قادر على أن يكون سببا مباشرا ووحيدا لانفعالنا، بل ذهب إلى أبعد من ذلك قائلا: "إن العقل وحده يجب أن يكون عبدا تابعا للعواطف، ولا يجب أن يقوم بعمل آخر أكثر من خدمة وإطاعة العواطف".

لقد ميز هيوم بين صنفين من الأخلاق، الصنف الأول عبارة عن واجبات أخلاقية مصدرها العاطفة Passion، أو ما يسميه "بالحاسة الخلقية Moral" التي تعتبر قوة داخلية في الفرد تدفعه نحو فعل معين من خلال اللذة التي يحققها الشخص، أو أنها تنفره منه بما يولده في الفرد من إحساس بالألم؛ وبالتالي فما يحقق اللذة فهو فضيلة، وما يحقق الألم فهو رذيلة. على هذا الأساس يصبح الواجب الأخلاقي التزاما ذاتيا عاطفيا؛ أما الصنف الثاني من الواجب، هو ما يصدر عن الإحساس بالإلزام تجاه الضرورات والواجبات الاجتماعية التي تفرض سلطتها على الناس في مراقبة الفرد لغرائزه بالاعتماد على التجربة والتفكير، محققة من خلال هذا الإكراه توازن المجتمع واستمراريته.

استنتاج وتركيب للمحور:

نستنتج من خلال تحليل التصورات السابقة أن الواجب إكراه ذاتي يجمع بين الإلزام والالتزام؛ تقوم به الذات الإنسانية إما احتراما للقانون الأخلاقي الذي شرعته بناء على إخضاع الإرادة للعقل (كانط)، أو إخضاع العقل للعاطفة (هيوم). كما أن إخضاع التصرفات لقاعدة أخلاقية عقلية غير مشروطة بحسابات براغماتية Pragmatique سوسيو-اقتصادية أو سياسية أو سيكولوجية، وحده السبيل إلى جعل الأخلاق الإنسانية كونية وموحدة، منبعها الإرادة الخيرة التي يتعامل من خلالها الفرد مع ذاته وغيره، كغاية لا كوسيلة يحقق بها أهدافه ومصالحه.

المحور الثاني: الوعي الأخلاقي

-         ما علاقة الواجب بالوعي الأخلاقي؟

-        هل الواجب باعتباره وعيا أخلاقيا، مصدره الذات المشرعة الحرة؟ أم أنه يرجع إلى محددات سيكولوجية وسوسيو  -ثقافية؟

-         إلى أي حد يمكن اعتبار الوعي الأخلاقي تعبيرا عن شروط الوجود الاجتماعية؟

تحليل تصور سيغموند فرويد

يؤكد سيغموند فرويد على أهمية العوامل النفسية اللاشعورية المرتبطة بالممنوعات التي رسختها الثقافة ضدا عن الغرائز التي تهدد الحضارة الإنسانية بالأفول، إذ ليس الوعي الأخلاقي كيانا فطريا داخليا ومستقلا، بل هو جزء لا يتجزأ من محددات البنية النفسية للفرد، حيث يشكل بالضبط إحدى وظائف جهاز الأنا الأعلى المتمثلة في مراقبة الأنا، انطلاقا مما ترسخ فيها (الأنا الأعلى) من قيم ومثل وقواعد أخلاقية غرستها الجماعة في ضمير الفرد؛ وهو ما يعبر عنه فرويد في قوله: "إن الإحساس بالذنب وقسوة الأنا الأعلى وصرامة الضمير الأخلاقي، كلها شيء واحد. إن الإحساس بالذنب هو تعبير عن إدراك الأنا لكونه خاضعا للمراقبة من طرف الأنا الأعلى".

تصور الفيلسوف الألماني إمانويل كانط

       الواجب فعل إلزامي وإكراهي، تقوم به الذات احتراما للقانون الأخلاقي الذي شرعته ليصير وعيا أخلاقيا، بناء على إخضاع الإرادة للعقل، وإخضاع التصرفات لقاعدة أخلاقية كونية منبعها الإرادة الخيرة التي تعتبر مصدرا لكل وعي يتجسد على شكل سلوكات وأفعال باعتبارها خضوعا للتصور الذي كونته كل ذات عن طريق "العقل المحض". كما أن خضوع الذات للوعي الأخلاقي في أبعاده العقلية الخالصة، لا ينظر إليه في هذه الحال إلا باحترام وإجلال كبيرين جدا، وفي هذا السياق يقول كانط: "أيها الواجب   !   أيها الإسم السامي الكبير  !   أنت الذي يستدعي خضوعنا...أنت الذي يقرر فقط قانونا يجد في ذاته منفذا إلى أعماق نفوسنا   ! أنت الذي يكتسب من ذاته رغما عنا إجلالنا، ذلك الإجلال الذي تنمحي أمامه كل نوازعنا وانحرافاتنا رغم كونها تعمل ضده بخفاء"[1]

استنتاج وتركيب:

       ما مصدر الوعي الأخلاقي؟

       إن الوعي الأخلاقي بما هو خاصية تسمح للعقل الإنساني أن يصدر أحكاما معيارية عفوية على القيمة الأخلاقية لبعض الأفعال الفردية عندما يتعلق هذا الوعي بما سيصدر عن الذات من أفعال مستقبلية، فإنه يتحول إلى صوت يأمر وينهى؛ أما إذا تعلق الأمر بالأفعال المادية، فإنه يأخذ شكل إحساسات وميولات.

       إن محاولة تحديد مصدر الوعي الأخلاقي، تجعلنا نقر انطلاقا من بعض التصورات العقلانية الأخلاقية، أنه لا تناقض بين العقل والأخلاق، باعتبار أن الإنسان لا يمكن أن يتجاوز نزواته الغريزية الذاتية، إلا حينما يتشكل لديه وعي أخلاقي ذو مصدر عقلي يسمو بالإنسانية نحو الكونية التي تنتفي معها مختلف الصراعات والنزاعات التي يمكن أن تحد من فاعلية الإنسان العقلية والأخلاقية.

المحور الثالث: الواجب والمجتمع

إن الواجب بما هو تجربة وصيرورة طويلة أثثت لتشكل الأخلاق عند الإنسان، معبرة عن التزام اجتماعي ووجودي بمجموعة من القيم والمعايير العامة والخاصة في نفس الآن؛ عامة من حيث ارتباط بعض جوانبها بالعقل، وخاصة من حيث محايثتها للمجتمع بخصوصياته السوسيو  -ثقافية والاقتصادية والسياسية. فكيف إذن يعيش الفرد التجربة الأخلاقية؟ هل هي تجربة مستقلة عن المجتمع؟ أم أن الواجب الأخلاقي لا دلالة له، وسيبقى دوغمائيا ما لم يرتكز على القيم التي تحددها سلطة المجتمع؟

تحليل تصور عالم الاجتماع إميل دوركايم(1858-1917)

يمارس المجتمع نوعا من القهر والجبر على الأفراد الذين ينتمون إليه، حيث إنه يرسم لهم معالم الامتثال للواجب الأخلاقي باعتباره الغاية الأسمى التي تهدف إلى استمرار النظام والتوازن الاجتماعيين.

       يسلب الواجب الأخلاقي وعي وإرادة الأفراد، لأنه لا يعبر عن سلطة فردية، لكونه نتاج ضمير ووعي جمعيين؛ وبالتالي فإن الأفراد   -باعتبارهم أعضاء في مجتمع  -   حينما يتصرفون تصرفا أخلاقيا، فإنهم لا يسلكون إلا بمقتضى القواعد الأخلاقية ذات الطبيعة الإلزامية والإكراهية، يتصف بها الواجب باعتباره ظاهرة اجتماعية بامتياز. فإرادة المجتمع تتجاوز وتفوق إرادة الأفراد، لاعتبار واحد هو أن الإنسان   -حسب دوركايم  - لا يمكن أن يكون إنسانا إلا بانتمائه إلى مجتمع محدد.

استثمار تصور الفيلسوف فريدريك إنجلز (1820-1895)

       يعتبر فريدريك إنجلز صديقا لكارل ماركس، ساهما معا في وضع مرتكزات وأسس الفكر الماركسي، مخصصا الجزء الأكبر من مسار حياته الفكرية في دراسة بعض الإشكاليات الأخلاقية وعلاقتها بالبنى السوسيولوجية وما يرتبط منها بالتقسيم الطبقي الذي تمخض عن تطور النظام الرأسمالي.

       لا يمكن الحديث بشكل نهائي عن دور الأخلاق إن لم تكن بالضرورة مطابقة للتطور الاقتصادي الخاص بكل مجتمع، فتطور النظام الرأسمالي مثلا، أفرز تقسيما طبقيا يتشكل من البروليتاريا والبورجوازية، باعتبارهما طبقتان تعكسان أهم تناقض سوسيولوجي من حيث ملكية وسائل الإنتاج. فالطبقة البورجوازية تملك مؤسسات اقتصادية صناعية، والبروليتاريا التي لا تملك إلا قوة عملها، وبالتالي فهي تضطر إلى بيعها بأجرة زهيدة تزيد من بؤسها، على عكس البورجوازية التي تزيد في غناها من خلال استلابها واستغلالها المكثفين للعمال.

       في هذا السياق ينبغي فهم العلاقة بين الواجب الأخلاقي والمجتمع؛ فالأخلاق هي أخلاق طبقية تترجم الصراع الطبقي، لتبرر هيمنة واستغلال الطبقة المسيطرة فقط. على هذا الأساس فإنه لا يمكن رفع أخلاق طوباوية ودوغمائية لا علاقة لها بالواقع المادي، وفرضها على أفراد دولة تغيب فيها العدالة الاجتماعية؛ فالطبقة العاملة لها أخلاق تختلف -بالقوة والفعل- عن أخلاق البورجوازية، ولا يمكن أن تصير في يوم من الأيام موحدة ما لم تحقق الطبقة البروليتارية المستغَلة ثورة على الطبقة المستغلة، فيتم قلب النظام الرأسمالي بنظام آخر اشتراكي شيوعي.

استنتاج وتركيب:

       إذا كانت غاية القيام بالواجب في الفلسفة الأخلاقية هي الواجب ذاته، فإن الأمر معاكس تماما حينما نقارب الواجب الأخلاقي من منظور سوسيولوجي، حيث تتحدد دلالاته انطلاقا من رغبات الأفراد وإرادتهم، لتصير في الوقت نفسه إرادة المجتمع، تقهر وعي الأفراد فتجعلهم ملزمين بالقيام بالواجب بنوع من الترهيب أو الترغيب الاجتماعيين. نفس الشيء قد يقال عن بعض المذاهب الفلسفية الوجودية حينما اعتبرت الإنسان مشروعا، بمعنى أنه حر في الاختيار؛ لكنها رغم ذلك قيدت تلك الحرية لاعتبار واحد، هو أنه يجب لاختيارات الفرد أن ترتبط بالناس الآخرين وبالإنسانية جمعاء؛ فعندما أختار لنفسي فإنني يجب أن أكون مسؤولا عن اختياري تجاه ذاتي ومجتمعي أيضا.

 



 [1]- إمانويل كانط، نقد العقل العملي، المطابع الجامعية الفرنسية، باريس 1965، ص.91. عن الكتاب المدرسي "الفكر الإسلامي والفلسفة" للسنة الثالثة الثانوية (شعبة الآداب العصرية، دار نشر المعرفة، الرباط 1992، ص. 239.

13 mai 2011 5 13 /05 /mai /2011 01:11

 

مــجــزوءة الأخـــــلاق

 

 

مدخل عام:

اهتمت الفلسفة بموضوع الأخلاق   -   كمبحث من المباحث الأساسية  -   منذ العصور    القديمة، من سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم من الفلاسفة والباحثين في العلوم الإنسانية، إذ انصب اهتمامهم على السلوك الإنساني وعلى ما يرتكز عليه من أسس ترقى بالإنسان من مستوى الوجود الطبيعي، لتجعل وجوده وجودا أخلاقيا يغدو من خلاله ليصبح كائنا أخلاقيا بامتياز.

       تعمل الأخلاق على تنظيم السلوكات الغريزية وتساعد الإنسان على التخلص من الشهوات والأهواء العشوائية، أو على الأقل تسمح بتصريف رغبات الإنسان وفق قالب أخلاقي يتأسس على العقل وعلى القيم الاجتماعية التي تطبعه في سيرورات تاريخية متمايزة.

إن الهدف الأسمى الذي توخت البشرية تحقيقه من خلال الأخلاق باعتبارها أساس المجتمعات، هو الحفاظ على الوجود الإنساني بشكل يرسخ لدى هذه المجتمعات -على اختلاف ثقافاتهم- مجموعة من القيم والقواعد الأخلاقية، كأرضية تحدد الواجبات التي تستدعي التصرف وفقها بشكل يضمن بالضرورة تملك الإنسان لحرية الفعل والإرادة باعتبارها مقوما أساسيا من مقومات الإنسان.

التأطير الإشكالي للمجزوءة:

       يطرح التفكير في الأخلاق عدة إشكاليات ترتبط بمفهومي الواجب والحرية، يمكن أن نحددها في العناصر التالية:

ü    ما الذي يؤسس الفعل الأخلاقي؟ هل هي الذات الحرة، أم هو الإكراه الخارجي المتمثل في الإلزامات والمعايير التي يفرضها المجتمع؟

ü    كيف تسمح الأخلاق من خلال ثنائية الإلزام والالتزام بتحرر الإنسان، وهي في الآن نفسه تقنين لتصرفاته؟

ü    إلى أي حد يمكن القول إن الالتزام بالواجب الأخلاقي ضمان لحرية الإنسان؟

ثانوية مولاي رشيد بأجلموس

  • : عبد الكريم بوهو
  • عبد الكريم بوهو
  • : الدرس الفلسفي
  • Contact

لتحميل دروس الفلسفة

http://www.4shared.com/folder/TNf5Ba1e/_____.html

بــــــــحـــــــــث

مواضيع الامتحان الوطني الموحد لجميع المواد